أبواب -غدير سالم

تمكنت التكنولوجيا الحديثة بمختلف أدواتها من إضعاف كثير من العادات والطقوس التقليدية في شهر رمضان، فلم يعد الأقارب يجتمعون معا في سهرات رمضانية كما في السابق وتلاشى وجود المسحراتي في كثير من الأحياء وباتت التهنئة بقدوم الشهر او العيد أكثر شيوعا عبر هذه الوسائل .

ويقول الاستشاري الاجتماعي الدكتور فيصل غرايبة: «لا شك أن آليات التواصل الحديثة والتكنولوجيا المتاحة قد أحدثت تأثيراً كبيراً على طقوس رمضان، وجعلتها مغايرة عما قبل، خصوصا الطقوس الاجتماعية، بينما بقيت الطقوس الدينية كما هي عليه، بل زاد التمسك بها وبممارستها عند الشباب بشكل أكبر».

ويرى أنه : « أصبح بعض الناس لا يمارسون الطقوس الاجتماعية ذات العلاقة بالعادات والتقاليد، كالإقلاع عن دعوات الإفطار أو السهر حتى وقت السحور، فضلا عن تغيير أساليب المعايدة، حيث أصبحت إلكترونية عبر الإيميل والفيس بوك والواتس اب، وذلك تبعاً لتغير أنماط إتصال الناس ببعضهم».

ويبين غرايبة: «أصبح الإنسان يستسهل التعامل مع وسائل الإتصال الحديثة فهي أسرع وأقل كلفة، ويمكن استخدامها في أي وقت وفي أي مكان، فنحن نشاهد المبالغة في ذلك عند استخدام بعض الناس لهذه الوسائل حتى وهم يقودون السيارة رغم خطورة ذلك تجاه أنفسهم وتجاه الآخرين».

وفيما يتعلق بكيفية إختلاف تقديم الأطباق الرمضانية، يقول غرايبة: «أما الأطباق الرمضانية فقد اختلفت عما قبل، والسبب أن السيدات في البيوت أصبحن يتابعن برامج إعداد الطعام بأطباقه وابتكاراته المتنوعة والمختلفة ومن مدارس متعددة عربية وأجنبية عبر التلفاز والواتساب والفيس بوك، كما أن هناك عائلات أصبحت معتادة على طلب الطعام عبر الهاتف أو البريد الإلكتروني من المطاعم التي سمعت عنها أو تأثرت بدعايتها».

ويرى غرايبة أن: «عادة التشارك والتزاور بين الجيران قد اختفت تقريبا، بعد أن أصبح الجيران لا يعرفون بعضهم، ولا يلتقون إلا في الشارع صدفة، أو عبر التواصل بالواتساب والفيس بوك».

ويشير الغرايبة إلى أن: «الطقوس الحميمية قد تراجعت لعدم إمكانية الإنفاق عليها ومنها إقامة المآدب وتقديم الهدايا واقتناء بعض قطع الأثاث والأدوات المنزلية، عدا عن انشغالات الإنسان بمتاعب الحياة».

ويشير إلى أن: «أجواء المنطقة المتوترة تؤثر أيضا على سلوكيات الناس في هذا الشهر الفضيل، بسبب ما تنقله الفضائيات من صور ومشاهد وأخبار عن حوادث القتل والتدمير وقضايا الإنحراف السلوكي والجرائم الفردية وخاصة الغريبة والمستهجنة والمفاجئة ».

ويوضح أن: «الإنشغال باستخدام وسائل التواصل الحديثة ساعد في إقامة السدود أمام اللقاءات وجهاً لوجه والتي كانت أكثر انسانية ووثوقاً ومودة».

ومن العادات والتقاليد الرمضانية التي تأثرت بالتكنولوجيا الحديثة أيضاً اختفاء دور المسحراتي في كثير من الأحياء الراقية، يقول إن: «إختفاء دور المسحراتي في كثير من الأحياء والإعتماد على ضبط الوقت بالساعة المنبهة أو على رنة الموبايل هي من العادات التي تأثرت بالتكنولوجيا الحديثة، مثلما أصبح الإعتماد على البث التلفزيوني لإعلان موعد الإفطار وسماع آذان المغرب عبر الشاشة حيث اختفت عادة ترقب المؤذن في المئذنة القريبة وهو يلوح بالعلم ثم يرفع الأذان ليفطر الصائمون المترقبون».

ويلفت إلى أن :«كبار السن يشعرون بأن طعم الصيام وروعته وإن بقيت من الناحية الروحية والدينية إلا أنها توارت عن الوجه الإجتماعي والنفسي عندما استعيض في ممارستها وادائها بتقنيات التواصل الحديثة، واكتفينا بوضع كلمة إعجاب أو شكراً على المنشور الوارد على صفحة الفيس بوك».

وتقول التربوية المتخصصة في مجال الإرشاد والصحة النفسية نجوى حرز الله: «سلوكياتنا تختلف في شهر رمضان عن باقي أشهر السنة، فقد لعبت الأجهزة الإلكترونية دورا كبيرا في تغيير هذه السلوكيات نحو السلبية بالرغم من إيجابيات هذه التكنولوجيا في رمضان من خلال التطبيقات التي أفادت بمواقيت الآذان والسحور وتطبيقات القرآن الكريم وتفسيره».

وتوضح: «التكنولوجيا لعبت دورا سلبيا في حياتنا بشكل عام وفي رمضان بشكل خاص وخير مثال على ذلك عرض المسلسلات التلفزيونية بطريقة تجذب المشاهد لتجعله يتعلق بها بشكل واضح لتصبح بديلا عن العبادة أو التواصل مع الآخرين».

وتشير إلى أن: «كثرة التطبيقات أصبحت تبعدنا عن بعضنا وكانت سبباً واضحاً للتباعد بين أفراد الأسرة فلكل شخص منهم تطبيقاته الخاصة به لمتابعة ما يرغب في شهر رمضان».

وتأسف حرز الله إلى تحول عباداتنا إلى سلوك يطمح للشهرة في تصوير كل ما نفعله خصوصا ما نقدمه من صدقات بحيث نفتخر عندما ننشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي قد تحرج وتجرح العديد من الناس، فقد غيّرت هذه التكنولوجيا ملامح رمضان شيئاً فشيئاً حتى أصبحت طقوسا الكترونية، عدا أن الأجهزة الإلكترونية قامت بنشر المهرجانات الرمضانية والخيم التي أصبحت تقيم هذه الموائد من أجل الدعاية لبعض الشركات والمحلات التجارية على حساب الشهر الكريم ».

وتشدد حرز الله على أنه :«علينا أن نسيطر على هذه الأجهزة الالكترونية الذكية ونكون مدركين لسلوكنا وأن لا نجعلها تسيطر علينا وخاصة في الشهر الكريم».

وتدعو إلى أن:«نجعل أطفالنا يعيشون أجواء هذا الشهر، تلك الأجواء التي عشناها قديماً من سماع الآذان والمسحراتي وصوت المدفع، وعلينا ان نجعلهم يقدمون الصدقات بطريقتهم البريئة دون تصوير أوشهرة ليشعروا بقيمة سلوكيات رمضان الروحانية».