حاورته: ديانا عيسى طالبة ماجستير في جامعة الزرقاء الأهلية

تبدأ أحداث رواية «القطّ الذي علّمني الطيران» لهاشم غرايبة، في الزنزانة، حيث الزمن لا يُرى نهرُه في العتمة الساطعة، ولا تُدرَك ضفافُه عبر التكرار الصارم لوجبات الطعام ومواقيت الخروج إلى الحمّام!

وتنتقل الرواية بنا مع بطل الرواية ابن السنوات العشرين إلى عالم السجن الأوسع قليلاً لتعبّر عن إنسانية الإنسان المحاصَر/ السجين وهو يواجه تحديات الوجود والحرية.. الحرية الداخلية للفرد، وحرية الاختيار.

المادة الأساسية لهذه الرواية مستمَدّة من التجربة الشخصية للكاتب، لكنها عمل روائي يعتمد التخييل في بنائه الذي انطلقت شرارته من استثنائية الصداقة بين لصّ كهل لقبه «القطّ» (صاحب خبرة بالسجون وبالحياة)، والفتى عماد (السجين السياسي الغضّ)، وتتشعب الأحداث في عالم يبدو فيه الناس مكشوفي السريرة، أرواحهم مشرعة الأبواب مخلّعة النوافذ.

هنا السجان والسجين أسيران لفظاظة النمط العام، والبشر يعيشون في عالم مختلف عمّا ألفنا، وشديد الالتصاق بما نعرف في الوقت نفسه.

ومما قاله النقاد عن هذه الرواية أنها «نشيد ضد الكراهية وأيقونة ضد الفظاظة»، وأنها «تنحاز للكبرياء الإنساني وتعلي الكرامة الشخصية».

عن «القطّ الذي علّمني الطيران» وعلاقتها بالواقعية السحرية كان هذا الحوار مع الروائي هاشم غرايبة:

ما أهمية استخدام الواقعية السحرية في الرواية، وربطها بأدب السجون رغم أنه ربط سبّاق وغير مألوف في الرواية العربية؟

السجن نفسه مكان مسحور. فالسجين يعيش فانتازيا سحرية منذ لحظة احتجازه، هو يعيش داخل الجدران ومخيّلته خارج المكان، سارحة مع الحياة. فهو هنا وهناك في آن معاً. يهدأ ضجيج الخارج وينشط المسرح الخرافي داخل المحبوس، فيجد نفسه خارج تيار الحياة الهادر وفي عمق أمواج كينونته في الوقت نفسه. ماهو عادي ومألوف خارج السجن يصير واقعاً سحرياً بالنسبة للسجين. ما هو يوميّ ومعاش داخل جدران السجن سيبدو واقعاً سحرياً لمن يعيشون حياة طبيعية.

كي أواجه قسوة السجن لا مناص من تخيُّل عالم موازٍ يملأ فراغ العزلة، والتفكير بواقع متخيَّل يخفف ملوحة الواقع المعاش. ومن الأجمل أن يكون واقعاً سحرياً. فإطلاق المخيلة لأبعد مدى هو أجمل الحريات المتاحة للبشر. هذه المعركة السحرية تتوازى وتتقاطع باستمرار مع نشاطنا الإنساني وتفاصيل يومنا سواء كنا في مسرح الحياة أو داخل مسرح السجن.

كم هي الخيالات الفانتازية والحلول السحرية التي تمرّ بخاطرنا في كل لحظة ونطردها بعيداً لصالح الرصانة الاجتماعية؟ وكيف للمحبوس أن يطرد هذه الخيالات وليس له متعة سواها؟ وهل يمكن للكاتب أن يتجاوزها إلّا إذا كان غير قادر على توظيفها في نسيج روايته جمالياً وبنائياً ورمزياً.

استخدامُك للواقعية السحرية -وهو أسلوب غير عربي عامةً- هل يرمي إلى إيمانك بأن فكرة المقاومة حين يقع الظلم، فكرةٌ عالمية؟

أوافقك الرأي بأن فكرة مقاومة الظلم فكرةٌ عالمية على اختلاف أشكالها وأسبابها، لكني لا أوافق بأن الواقعية السحرية أسلوب غير عربي، فالتراث العربي الشفوي والمكتوب مليء بالواقعية السحرية، كما أن التراث الانساني ملْك للبشرية كلها ولا يقتصر تأثيره على منتجيه فقط. ولا ننسى أن الكتب من كل الديانات تغصّ بالسحر والفانتازيا واللامعقول.. وإذا كان من تقصيرٍ في كشف مكنوناتها، فالكرة في ملعب النقاد والدارسين.

الواقعية السحرية كمصطلح نقدي، نشأ وترعرع في المناهج النقدية الأوروبية في مقاربتها لأدب أميركا اللاتينية، ثم صار مصطلحاً عاماً وعالمياً، وطُبّق على نصوص تراثية قديمة، كألف ليلة وليلة وكثير من القصص الشعبية المتداولة في لغتنا العربية.. فقد كان شيبوب أخو عنترة يسابق سربَ القطَا، وحلبَ الزير سالم السباعَ، وصارت حليمة حمامةً بيضاء تطير في السرب الفوقاني لا ينوشها صيّاد ولا تراها العين، كما طارت أمارنتا في مظلتها عند ماركيز.

هل أتحدث عن الواقعية السحرية في روايتي؟ عن حبات البرتقال التي تدحرجت من باب السجن حتى عادت لبائعها في الحسبة؟ عن القبو الذي غاب فيه المهدي المنتظر؟ عن الفتى الذي وقف على رؤوس أصابعه، فتجلّى له وجهُ مها بكامل نمشه، فرفرف، وطار عالياً؟!

الرواية كلها فانتازيا سحرية. أن يُسجن «عماد» بسبب فكرة، أن يكون ثمن حريته ورقة يكتبها. أن يضطر أن يكون «سعيد القطّ» لصاً، وأن يكون «الختيار» قاتلاً.. كل ما بين دفَّتَي الكتاب (السجن) سيبدو واقعاً سحرياً لقارئ من جيل قادم.

هذا عن روايتي. أما مهمة استقصاء الواقعية السحرية في الرواية العربية عموماً، فهي مهمة النقاد والدارسين في قادم الأيام.

ارتبطت فكرة طيران الإنسان في الرواية الإفريقية والأميركية اللاتينية، بتقاليد تلك الشعوب وفولكلورها, فماذا عن الرواية العربية؟

مخيالنا وذاكرتنا يكتظّان بالطيران: الروح طائر يصعد إلى السماء. جبريل وجناحاه يسدّان المشرق والمغرب. البراق وقصة الإسراء والمعراج. الأطفال عصافير في الجنة. قصة بلقيس وسليمان. حكاية الدرويش الذي طار به اللواء من الشام إلى مكة فوصل قبل الحجيج. عباس بن فرناس. الرخّ صاحب السندباد في حكايات ألف ليلة وليلة.. وطار الطير ومسّيناكم بالخير!

فكرة الطيران موجودة منذ مشى الإنسان على قدمين، والواقعية السحرية مصطلح نقدي جاء ليضيئها ويرصد تحولاتها في تاريخ الأدب والفن، فالكاتب يكتب موظفاً الصور التي تخدم فنه وتدعم فكرته. ومهمة الناقد والدارس توظيف المصطلح النقدي الملائم لفتح مغاليق العمل للقارئ.

بالنسبة لتصوير الجانب الآخر الإنساني لشخصية القطّ, هل ترى أن هذه الفكرة تدعم الرؤية ما بعد الحداثية التي لا ترى الحقيقة مطْلقة، بل مفتوحة للتأويل؟

بطل الحكاية القديمة كان محاطاً بهالة من نور. يكلَّل بالغار. يجسِّد المهابة والجلال. الحكاية الجديدة لا تحتمل البطولة المطْلقة، ولا تبحث عن البطل الفذّ الملهم، بل تنظر من زوايا مختلفة للشخوص والوقائع، وتعتمد تعدُّد الأصوات المختلفة برؤاها وآرائها، وتفدم مقترحات وأسئلة لأنّ الحقائق لا يمكن احتكارها. بل لا يمكن التسليم بها خارج شرطَيّ الزمان والمكان.

رواية "القطّ الذي علّمني الطيران" تهتم بوحدة وصراع الأضداد، بالمفارقات بين الداخل والخارج، بين الأنا والآخرين.. بين العزلة والانفصال من جهة، وبين التواصل والاختلاف من جهة أخرى. البناء النَّصّي هو الحكَم، والتشكيك بالثوابت هو المنهج. أينما وجدتَ بديهية يوجد فخّ لاصطيادك، حينما تقلب الفخَّ تجدُ الكنز.

إلى أيّ حدّ ترى أن شخصية القطّ رمزية، رغم أنه يمثل شخصية واقعية كما أشرتَ في مستهلّ الرواية؟

شخصية القطّ لا تطغى على غيرها من الشخصيات، رمزيتُه تتأتى من أن الخير والشر وجهان لعملة واحدة، وميزته أنه رجل حر، حالم، وشفاف، لكنه يتدثّر بالسخرية يتّقي بها شرور الواقع.. القطّ شخصية مركّبة يبدو وكأنه اختار قدَره كلصّ، وفي ما وراء الصورة، ظروف الحياة اختارته ليكون لصاً. سعيد القطّ يبخل بإظهار مكنونه النبيل وثقافته الخاصة، ويبدو راضياً بأن يكون دون من حوله، وذلك ليستمتع بعشقه العميق للحياة، وتوقه الأصيل للحرية، سلاحه التظاهر بالرضا والقبول بما هو عليه، وفي العمق هو ثائر ساخر لا يقبل الظلم. ولأنه كذلك كان شخصية جاذبة للفتى عماد، وقادرة على أن تعلمه الطيران.

إلى أي حد ترى أن هذه الرواية تعكس سيرتك الذاتية؟

نعم هي سيرتي الذاتية. زمن الرواية سنة واحدة، وكانت كافية لأقول ما رغبت في قوله. هي سيرة ذاتية مرفوعة إلى مقام الرواية. هي رواية واقعية لكن الواقع فيها سحريّ بذاته. هي كتابة ساخرة ترتقي معراجَ المخيلة إلى فضاء الفن الساحر.

إنها رواية قال عنها القراء والنقاد إنها نشيد البشر الخطّائين ضد الكراهية، وأيقونة ضد الفظاظة، وأنها تنحاز للكبرياء الإنساني، وتعلي الكرامة الشخصية.. هذه الرواية هي أنا مع بعض البلاغة الخادعة.