بسام أبوغزالة

داعبَها مداعَبةً تنطوي على عتاب. أدركَت العتابَ، وإذ لم تُعجبْها الفكرة، أشاحت بوجهها عن المداعبةِ وأطلقت العِنان لنزقٍ متجذِّرٍ في ذاتِها، فأرعدت كعادتِها وأزبدت. سمعَ ما سمع، وأطرقَ صافناً، حتى أتاه صوتٌ من أعماقِه يقولُ بجرْسٍ رخيم: «والكاظمون الغيظّ!» فكظمَ غيظَه.

لمَحَ من النافذة قطةً اعتاد أن يُلقيَ لها ببقايا الطعام، فألِفت المنزل. لكنّ القطةَ كانت تتلوَّى من ألمٍ ظاهرٍ ألمّ بها، ثم قاءت ما تجمَّعَ في بطنها. أشفق على القطةِ، فنسيَ غيظَه الذي كَظَمَه، وأشفقَ عليها هي الأخرى.

التفَتَ لها يريدُ أن يربِّتَ على كتفِها مُعتذِراً، فلم تُبدِ قبولاً ولا نُفوراً. كانت باردةَ الجسدِ كأنّها تمثالٌ قُدّ من جليدٍ مُتحجِّر. فاحتارَ في أمره.

فتحَ المذياعَ، فامتلأ البيتُ بصوتِ فيروزَ تُغنِّي:

"كتبتُ إليكِ من عَتَبِي

رسالةَ عاشقٍ تعِبِ

رسائلُه،

منازلُه،

يُعمِّرُها بلا سببِ».

اجتاحتْه نشوةٌ كأنها سِنةٌ تنسابُ انسيابَ النملِ في مفاصلِه، فخرج إلى الحديقةِ يتأمَّلُ القمرَ البدر. لكنّ الجوّ كان بارداً، ولم تلبثْ غيماتُ آذارَ أن اختطفتْ من عينيه القمر. حينئذٍ استشعرَ زخّةَ مطرٍ تتساقطُ ناعمةً من تلك الغيمات، فقرَّر أن يتلقّاها بجسدِه، وبقيَ مُتسمِّراً في موضعِهِ حتى تبلّلت ملابسه تماماً، وأخذ الماءُ ينقطُ من كلِّ أجزاء جِرْمِه. لم يكنْ يدري ما يفعلُ ولمَ يفعلُ ما يفعل. لكنه جمُدَ في مكانِه حتى أقلعت الغيمةُ وبانَ البدرُ وضّاحَ الوجه.

شعَرَ بشيءٍ يُداعبُ أسفلَ سروالَه، وحين تلفّتَ وجدَ القطةَ تحكُّ جسدَها به وتبتعد، ثم تعودُ تحكُّ جسدَها به وتبتعد. ابتسمَ لها وقفلَ عائداً إلى دفءِ البيت.