طارق قدّيـس

وقفتُ في الباب كما الحال كلّ خميس وحقيبتي في يميني. نظرت إلى زرّ الجرس. قرعته. انتظرت بتردُّدٍ فتح الباب، لكنّ أحداً لم يفتح. أعدتُ الكرّة. أحسستُ بحركةٍ ما في الداخل، ثمّ فتح الباب. إنها الخادمة. ابتسمت لي وألقت عليّ التحيّة. سألتُ عن الأستاذ. أخبرَتْني أنه بانتظاري، وأشارت إليّ بالدّخول. مضيت إلى الداخل متجاوزاً الرّدهة. أخذت أقلّب بصري في كلّ اتجاه وكأنّي أبحث عن شيءٍ ما في الجوار. ارتسمتْ على وجهي ابتسامةٌ عريضةٌ فجأةً. لقد عثرتُ على ضالّتي. إنها تقف أمام المرآة الطوليّة في غرفة الجلوس، تصفّف شَعرها الأشقر. بدت للتّوّ خارجةً من الحمّام، ترتدي قميص نومٍ قصيراً مكشوف الكتفين أحمر اللّون. لم تشعر بوجودي. تركتُ الحرّيّة لنفسي بضع ثوانٍ كي أسترق النظر وأترك لعينيّ الفرصة للاحتفاء بمشهدٍ ربما لن يتكرّر مرّة أخرى. هذا هو العام الثاني لي الذي أتردّد فيه على منزل جدّها من أجل قراءة الكتب له بشكلٍ أسبوعيٍّ، لأنّ دواعيَ صحيّة تمنعه من ممارسة هواية القراءة بنفسه، على رأسها ضعف النظر واستحالة الحركة.

هذا هو العام الثاني لي هنا، لكنّها المرّة الأولى التي أراها فيها بهذا اللّباس الخفيف، لباس طاغٍ بالأنوثة، عامر بالمحفّزات. لقد كانت خريطة جسدها الماثل في القرب أشبه بقالبٍ خزفيٍّ متقنٍ خرج من تنّورٍ متأجّجٍ بالحرارة، جذعها منتصبٌ كمسلّةٍ فرعونيّة، بشرتها الحنطيّة متورّدةٌ ببقايا سخونة المياه ورذاذ البخار. كتفاها تشعّان فرحاً وكأنّهما تحتفلان بتحرّرهما من سجن القمصان والفساتين الرسميّة. وساقاها مشرقتان مصقولتان كعمودَي رخام لا عيب فيهما ولا خدش.

نبّهتني الخادمة وهي تنقر كتفي بإصبعها أنّ الأستاذ بانتظاري في مكتبه، فألقيت نظرةً أخيرةً على القوام الخلّاب ثمّ أكملت طريقي. دخلتُ إلى الغرفة بسرعة بينما ارتسمت ابتسامةٌ عريضةٌ على وجهه فور رؤيتي. أشرتُ إلى ساعتي بما يعني أنني قد أتيت في الوقت المحدّد، فاقترب مني بكرسيّه المتحرّك الذي لازمه منذ وقتٍ طويلٍ مرحّباً بي، منتظراً أن أبادله التّرحيب، فانحنيت نحوه وضممته بحرارة. وقبل أن أرفع رأسي عنه دسّ مبلغاً من المال في جيب قميصي دون أيّ مقّدّماتٍ. وقبل أن أستوعب ما حصل بادر الأستاذ بالقول إنّ هذا هو راتبي الشّهريّ. حاولتُ أن أبدي نوعاً من الاستغراب لاستعجاله في دفع المال، لكنّه قطع عليّ الطّريق بالإشارة إلى أن اليوم هو أوّل الشّهر، وأني كطالبٍ يعدّ لرسالة الماجستير أحتاج إلى المال كي أصرف على كتبي وملبسي ومأكلي ومشربي في الجامعة، وأعيل أمّي وأخي الصّغير.

لطالما ذكّرني الأستاذ بحقيقة واقعي المرير، بأنّي شابّ يتيمٌ، وجدت نفسي في السابعة عشرة من العمر ربّاً لأسرةٍ بلا معيل تسكن في أطراف حيٍّ معدمٍ في جنوب المدينة، لا ملاذ لها كي تعيش سوى تقبُّل الصدَقة ودعم المحسنين. ولولا تفوّقي الدراسي لما استطعت أن أكمل دراستي الجامعيّة، فقد كفل لي التّفوّق منحةً دراسيّةً مجّانيّةً على نفقة الدّولة.

بحماسة شديدة سألني: «أيّ كتابٍ اخترتَ كي تقرأ لي هذا الأسبوع؟»، فاتخذت مكاني أمامه على المقعد، وأخرجت له من حقيبتي «طوق الحمامة» لابن حزم، فابتسم عندما سمع العنوان، وردّد ورائي اسم الكتاب، قبل أن يستطرد قائلاً: «سمعت به منذ زمن، ووددت مراراً أن أقرأه في الماضي، لكن تبنّي ابن حزم للمذهب الظاهريّ المتشدّد في الدين، كان يقف حائلاً بيني وبينه». وهو ما مهّد الطريق لحديثٍ جانبيٍّ شيّقٍ استطعت من خلاله أن أنفذ إلى صلب الكتاب، وأقرأ له العديد من الصّفحات، بينما هو يهزّ رأسه مع كلّ سطر كمن يطرب لسماع أغنيةٍ لأمّ كلثوم.

وبينما كنت أنهي قراءتي، قاطعنا نقرٌ على باب الغرفة، فتوقّفت عن القراءة، وما هي إلّا ثوانٍ حتى كانت المفاجأة. إنها هي! لقد أتت لتقدّم لنا فنجانين من الشاي بيديها. تناولتُ الفنجان عن الصينيّة والارتباك بادٍ في صوتي وأنا أشكرها. أثنى عليها الأستاذ والتفت إلي قائلاً: «لا أدري كيف يمكنني أن أتخيّل حياتي من دون هذه الحفيدة الجميلة». قال هذا وهي واقفةٌ إلى جانبي ترسم ابتسامةً عريضةً على خدّيها المتورّدين كعنقودين من العنب زادت من خفقان قلبي وكأن زالزلاً مدمّراً ضربه. تركَتْنا ووقفتْ أمام المكتبة في زاوية الغرفة. أجالت بصرها في الرّفوف العليا بينما كنت أجول ببصري بتفاصيل ساقيها البيضاوين في الأسفل.

نظر الأستاذ إليّ، فرآني أنظر إلى زاوية المكتبة حيث تقف، فابتسم، صمتَ قليلاً وتابع بأنّه يعرف بما أفكّر. دُهشت، وخيّم الوجوم على محيّاي.. «هل حقّاً يعرف بما أفكر؟ هل يعلم أني أحبّ حفيدته؟ لكني فعلت المستحيل كي أخفي حبي عن الجميع وأنا أعرف تمام المعرفة الفارق الطبقيّ الكبير بيني وبينها».. قلت هذا في نفسي وهي تهمّ بالخروج والأستاذ يكمل حديثه قائلاً: «لا تخف. توقّع أن تسمع أخباراً سارّة في القريب». كتمتُ فرحتي بما سمعت، ولم أجد طوقاً للنجاة من صمتي سوى «طوق الحمامة»، فعدتُ للحديث عنه من حيث انتهينا.

ضربنا موعداً بعد أسبوعين. خرجت مسرعاً وفي ذهني ألف سؤالٍ وسؤال. بدأت بالإعداد للّقاء القادم على عجل. انتابني شعورٌ مفرطٌ بالتفاؤل حيال ما قاله لي. لوهلةٍ تخيّلت لحظة مفاتحة الأستاذ لحفيدته بأني معجب بها، لكني سرعان ما طردت هذا المشهد من أمامي عائداً إلى كتبي وأوراقي.

كما هو المعتاد، كنت في الموعد المحدّد. وقفت أمام الباب. قرعت الجرس. تأكّدت أنّ ربطة العنق في مكانها، وانتظرت. فتح الباب سريعاً. إنها الخادمة. كان لباسها يتّشح بالسواد المفرط هذه المرة. دعتني للدخول، ولم تقدني إلى غرفة المكتب، بل طلبت مني الجلوس في غرفة الصالون. لم أكترث كثيراً في البداية، إلّا أنّ شيئاً ما في هدوء المكان كان يبعث فيّ قلقاً لا مبرّر له، وذلك حتى فتح الباب، ودخلتْ إلى الغرفة. إنها هي، لقد أتت للقائي، ولم يكن هو! بدأت مساحة القلق تتّسع في داخلي، خاصّةً وأنّها ترتدي ثياباً سوداء هي الأخرى!

جلستْ بالقرب مني، ولم تكد تنظر إليّ حتى اغرورقت عيناها بالدّموع، ثم أجهشت بالبكاء. عندها أدركت أن شيئاً قد ألمّ بالأستاذ، فقاومتُ ذهولي وسألتُها مستوضحاً، لأدرك حينها أنه قد توفّي، توفّي بعد يومٍ واحدٍ من جلستنا الأخيرة. للحظةٍ ظننتُني أصبت بالخرس، لم أقْوَ على الكلام، وكأنّ لساني قطعة حجر، والكلمات جفّت في حلقي.

ظلّ الصمت سيّد المكان لثوانٍ، لم أخرج إلّا على وقع كلماتها وهي تحاول أن تشرح ملابسات الفاجعة وحيثيّات الوفاة. مضت خمس دقائق وهي تسرد التفاصيل بجزئياتها المتناهية في الصغر، بدت وكأنها تفرغ شحنةً من الأحزان وجدت ضوءاً لها في آخر النفق.

أبديت مواساتي لها، ولم أشأ أن أطيل البقاء في هذه الظروف. حاولتُ الاستئذان، منعتني، قالت ن لديها ما يهمّني. أنصتُّ لها. «لقد فاتحني جدّي يوم زيارتك الأخيرة بموضوعٍ مهمٍّ للغاية، وللحقيقة تردّدت بمفاتحته معك اليوم». قالت هذا، والحرج ماثلٌ في وجهي وعينيّ. حاولت إخفاءه وتأجيل الحديث في الموضوع إلى وقتٍ آخر، وهممت بالخروج، إلا أنها أصرّت على المضيّ في حديثها، ولم يكن مني إلا الاستجابة لها، فعدتُ إلى حيث كنت وأنا أنتظر أن تقذف قنبلةً في وجهي، عن مشاعري نحوها وحبّي لها، أو أقلّه تلك النظرات إلى جسدها التي كنت أسترقها كلما صادفْتُها في زياراتي.

"المكتبة».. قالت هذه الكلمة ثم صمتت، ثم أكملت قائلةً: «لقد أوصى لك جدّي بالمكتبة بعد وفاته، فهو يعرف قيمة الكتب لديك». بقيت صامتاً للحظة محاولاً فهم ما يحدث، عندها أدركت تماماً ما حصل.. لقد ظنّ الأستاذ عندما رآني أنظر باتجاه حفيدته، أني كنت أتأمّل المكتبة بشغف. يا للعجوز المسكين ضعيف النّظر!

وجدتني أرسم بلا وعيٍ ابتسامةً خفيفةً على شفتيّ، وأقول لها دون أن أُشعرها بالخطأ الرومانسي الذي وقع فيه جدُّها إني سعيدٌ جدّاً بأن أحتفظ بمكتبته لديّ. كرّرتُ لها عبارات حزني على مصابها الأليم، وطلبتُ منها السّماح لي بالانصراف.

في الخارج وقفت وأنا أعيد شريط ما حدث، وأفكّر في اللّحظات التي استغرقتُها في التحضير لما سأقوله لها عن حقيقة مشاعري، بينما كانت هي لا تعرف شيئاً عمّا أريد منها. استدرتُ نحو الشارع، ومشيت عائداً إلى الحيّ القديم.