لمياء نويرة بوكيل كاتبة من تونس

«قرّي عيناً، لكِ الآن أن تنعمي بالحياة الخالدة والهدوء الأبديّ، يا ناصعة الجبين، ويا فضيّة الخصلات». أعلم أنّها كانت تتابعني، وتسمعني. لقد رأيت الامتنان في نظرتها الأخيرة وأنا أقوم بحركتي الرحيمة تلك، وأنا أسرق من الحياة لأمنحها الخلود، ثمّ وأنا أسبّل جفونها عن عذابات هذا العالم المروّع. لقد شاهدت بأمّ عيني ابتسامة الرضا، ترتسم على ثغرها.

ما كان أجملها، حين شرع الموت يُعمل فيها هدوءه البديع، فالاحتقان الذي كان يلازم وجهها منذ شهور، استحال صفرةً ناعمة، باردة، متجانسة دونما ظلال. وفمُها الطيّب، الذي أنهكه اللهيج واللهاث المستمرّان، وجدَ سبيله إلى السكينة والتمّت الشفتان أخيراً على عناق أبديّ، وأنفها الذي أذلّه المرض ها قد أعاد له الموتُ استواءه وشموخه، وأمّا صدرها المعذّب بلا هوادة، بشهقاته المختنقة، اليتيمة من زفرة واحدة تريحه، فقد هدأ اضطرابه.. حتّى العروق البارزة والمتفرّعة على يدها، كأغصان شجرة عجوز، ها قد اندثرت واختفت كلّها دفعة واحدة.

للموت فراغ الصمت العميق، ورائحة البرود لبقايا حياة تناثر شقاؤها حول السرير الطبيّ.. علب، أقراص، حقن، أدوية متراكمة، قارورة ماء بلا عطش ينتظرها، حذاء قابع تحت الخزانة أضاع قدميه منذ زمن مهمّ، وظلّ مع ذلك على أمل استرجاع إيقاع خطوٍ منسيّ، ودولاب مغلق على مباهج اندثرت للأبد.. وخلفي تلك «الماكينة» الضخمة، آه من تلك الماكينة ذات العجلات، لقد حقّ لها هي الأخرى أن ترتاح وتتوقّف عن الهدير، لقد ظلّت طويلاً تولّد للمريضة الأكسجين، وتمنحها كذباً، كلّ يوم، أعقاب حياة واهنة واهية.

كان الباب موارباً، فتحْتُه، فإذا بستّ عيون تتطلّع إليّ وترشقني بخوف، وتطلق عليّ سؤالاً ظلّ حبيس حناجرهم، أعلنتُ: «الله أكبر وسبحان الحيّ الذي لا يموت، ارتاحت...».

كان الخبر، بلا ريبة، متوقّعاً في كلّ حين، منذ أن غابت الأمّ سالمة في غيبوبة بلا قرار، وتكثّفت رغوةُ سكرات الموت على فمها، ومع ذلك، اندفعوا داخل الغرفة، لا يكادون يصدّقون الخبر، والتفّوا حول جسدها الممدّد بلا حراك. كان ابنها الذي عاد من السفر على غير هدى، يحوط رأسها بذراعيه، ويمرّغ خدوده البليلة على ذؤابات شَعرها الفضّيّ، بينما كانت زوجته الأجنبيّة خلفه، تقاسمه حزنه وتهدّئ من روعه.. أمّا نادية، أخته الأرملة، تلك النفس الناعمة كالحرير، والتي اعتزلت مباهج الدنيا من أجل أمّها وجنّدت لخدمتها ولدفع العلّة عنها ما أوتيت من صحّة ووقت ومال، تقاوم المرض النامي في الأوصال، وتعاند القدر في وجهته المحتومة.. كانت نادية تتمسّح بأقدام التي فارقتها، في نشيج مكلوم، مزّق قلبي الرقيق عليها، ولكم وددتُ لحظتها، أن أمسح على رأسها بحنان، ولكنّ الموقف كان أكبر من كلّ لمسة أو كلام.

خاطبتني بصوت ممزّق، بعد أن غادر أخوها وزوجته الحجرة: «سي فوزي، أرجوك، جمّع كلّ تلك الأدوية، وخذها إن شئت، فما عاد لها من داعٍ، وتلك الآلة، استلّ منشبها من الكهرباء، بربّك أوقف هديرها، لقد ماتت الأنفاس، ماتت إلى الأبد». قالت ذلك، وارتفع نحيبها من جديد، وهرولت خارج الغرفة، ولم تنتبه إلى أنّ الآلة قد صارت منذ مدّة هامدة بلا حراك.

ضاقت صالة الاستقبال على اتّساعها بالحضور، وما تبقّى غير ممرّ ضيّق، أفسحوه ليتيسّر العبور إلى أرجاء البيت وإلى غرفة المتوفاة، وأغرقت القاعة في سواد المعاطف والجلابيب والأوشحة، حتّى بدا الحضور كسرب من الغربان، تُحرّك كُمَّ أجنحتها حيناً، وتنعق حيناً آخر بالبكاء.

سمعت أحدهم يهمس: «الحركة حثيثة في غرفة المرحومة، ها قد بدأوا يغسّلونها، ويهيّئونها للرحيل.. (مللّا دنيا، ما دايمة لحدّ)». تذكّرت أنّ رحيلي أيضاً من هذا البيت الجميل، قد دقّت ساعته، بعد شهور طويلة من العطاء والتمريض.

فكرة الرحيل ملأت قلبي وحشة، وأثخنت شقوقه بالأسى. جعلتُ أطوف في أرجاء البيت، أودّع أركانه، حتّى أخذتني قدماي نحو حجرة نادية وعالمها الحميم. دخلت بعزم، وأغلقت الباب خلفي، ستائر مخمليّة منسدلة، ومكتب صغير في الركن عليه كتب وأقلام وحاسوب مطبق، وأثاث بسيط ينمّ عن ذائقة رهيفة، وفوق السرير العريض، تناثرت بعض الملابس الخفيفة. لمحت حقيبة نادية على منضدة النوم، قبضت على يدها الجلدية المتينة، وفتحتها، ثمّ أفرغتها من محتوياتها، وجعلت أتفحّصها بدقّة واهتمام. أقراص للصداع، مناديل ورقيّة، قلم أسود للكتابة، قنّينة عطر تضوع بأنفاس صاحبتها، أوراق ووصفات طبيّة، وحافظة نقود ليس بها غير مبلغ بلا أهميّة. أخرجت من جيب سترتي، رزمة من الأوراق المالية، ودسستها في حافظة نادية، ثمّ واصلت بحثي في أشيائها حتّى عثرت بالنهاية عليه. كان من طراز «سامسونغ أس خمسة»، أرسله لها أخوها منذ مدّة. لم تكن نادية تضع له رقماً سريّاً. تصفّحتُه بيدٍ وجلة وأنا أبحث عن أيقونة بعينها. كنت أعلم حتى قبل أن أكشف عن صورها، أنّها نجمة، تداري ضياءها وغنجها وبهاءها تحت لباسها الأسود.. «سيبرأ جرحك يا نادية، وستعودين إلى عطورك وزينتك وشغف الحياة».

فتحتُ دولاب الملابس، تلمّست بحركة سريعة أذيال الفساتين المعلّقة، ثمّ دسست الحقيبة بينها، مستبعداً احتمال أن تطالها يدٌ غريبة وسط زحمة المناسبة والحضور.

لم أكد أخطو بضع خطوات نحو الباب، حتّى توقّفتُ. اقتحمت نادية الحجرة، وكأنّها تفرّ من شيء يلاحقها، حتّى إنّها لم تتعجّب من وجودي في غرفتها. كانت ترتعد، مأخوذة بنوبة من البكاء القويّ، وما إن لمحتني حتّى قالت في هستيريّة وشهيق: «يا فوزي خويا، مشات ميمتي، مشات».. كانت على وشك الانهيار والسقوط. شددتُ بقبضتين قويّتين على ذراعيها حتّى تتماسك، فتزحزح عن كتفيها جلبابها الأسود، وفجأة ضجّ صوت غريب سرعان ما تضاعف وعلا حفيفه، حتى صار يصمّ الآذان، وحدث شيء يكاد لا يُصَدّق.. لقد تشظّى ثوبها ووشاحها وانبثق منهما غراب، فغرابان، فثلاثة فأربعة فعشرة أو ربّما أكثر، وحلّقت جميعها في سماء الغرفة، خافقةً بأجنحتها السوداء في لون التوت وهي تنعق.

طأطأت رأسي نحو نادية، فتملّكتني رعشة. كانت قيد شبر منّي، بشَعرها المربك المنسدل، وبأنفاسها التي تلفحني، عارية من حرجها وتحسّبها وصرامة ثوبها. كانت فقط غارقة في حزنها ونجواها وبكائها. همستُ بصوت دافئ: «لا تحبسي دمعك يا نادية، فالحزن حقّ، كالموت والحياة والفرحة، اتركيه يعرّش في أعماقك، وابكي من تحبّين بما يليق». قالت بلوعة: «لقد رحلت الحبيبة». رددت: «نعم، هي الحبيبة والقريبة»، وواصلت في سرّي: «وقاب قوسين منّي... يا للموت الذي يحييني، ويهديني قبضة ونبضة من الحياة والنعيم، ليتني أمسح عنك أيّتها الحبيبة أحزانك بلمسة، وأجبر خاطرك بقبلة، وأعوّض شعور الفقد عندك بضمّة». رفعتْ نحوي وجهها الشاحب وقالت: «كيف لي أن أصبر على فقدها، كيف؟ كيف أفعل من دون ظلّها وصوتها ودعواتها؟!». رددت وأنا أتفرّس في وجهها وأتملّى ملامحها: «صحيح، ما الحلّ أمام فقدها، وكيف العيش بلا صوتها، وهل من هدْي بلا ريحها؟».

كنت أتلهّف لأن أختبئ بين طيّات شعرها، وأن أرسل ذراعيّ طوق نجاة حول خصرها، مرّة واحدة في العمر، ألقي برأسي المتعب على صدرها، مرّة واحدة بحياتي، أرى شعلتها وأكتوي بنارها.

قالت وهي تنظر بعجب إلى دموعي التي انفلتت من وراء نظاراتي السميكة: «أتبكي يا سي فوزي؟ ما أنبل قلبك أيّها الأخ العزيز، أنت لست ممرّضاً فحسب، بل ملاك رحمة بلا مثيل». عادت فجأة الغربان إلى نعيقها، وحلّقت مضطربة، وفي لمح البصر التفّت حول نادية، والتأمت وتلاشت في لمح البصر في قماش جلبابها الأسود ووشاحها اللذين عادا ليغطّيا جسدها وشعرها.

كان لموكب تشييع الميت هيبة الموت وقداسته، سرتُ بين الجموع، أتلمّس لنفسي موطئ قدم، سرت وأنا أكاد أسمع صوت الفقيدة وهي تثني على شجاعتي ورحمتي بها وبابنتها، كنت راضياً عمّا فعلت، نعم، ولكنّني كنت أيضاً متألّماً من الفراق والوداع، ولم أكن فقط أشيّع سيّدة جليلة، إنّما كنت أشيّع ذاكرة زاخرة وصوراً يأخذها القدر إلى مقبرة النسيان.

واصل الرجال المسير خلف الفقيدة، وتوقّفت النساء عند مدخل الدار. كانت نادية بينهنّ ساعتها، حين عاد صوت الحفيف والخفقان للارتفاع بغتة، رأيت ثوبها الأسود ينقشع عنها، ويتشظّى إلى غربان ارتفعت عالياً في سرعة البرق، لتندثر بين حجب السماء.

التمعت الفرحة في عيني وقد شعرت أنّ الغمّ ينزاح عن قلبي، ثمّ تذكّرت الهاتف الذي دسسته في جيبي، طويت جناحيّ على الحلم، وواصلت المسير، وحال قلبي يردّد: «ستكون أيّامي رغم الفقد أكثر أنساً».