د. نعمان أبو عيشة روائي وجرّاح قلب أردني

الأمازيغ هم مجموعة إثنية ومن السكان الأصليين في شمال إفريقيا، وتحديداً بلاد المغرب، حيث يشكلون جزءاً كبيراً من سكان المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. وبحسب موقع "ويكيبيديا" فإن معظم الأمازيغ مسلمون سُنّة، اعتنقوا الإسلام بعد الفتح الاسلامي، وساهموا في نشره بشكل واسع، وهم يتكلمون الأمازيغية بمختلف لهجاتها المحلية، ولغتهم لغة غير كتابية أصلاً، اسمها باللاتينية (quot)، بعضهم كتبها باللاتينية، وبعضهم الآخر كتبها بالعربية، وتأثرت هذه اللغة بالفرنسية بعد الاحتلال الفرنسي للمغرب.

ومن أشهر رجالات الأمازيغ في التاريخ: طارق بن زياد، ويوسف ابن تاشفين، وعالم الطيران عباس بن فرناس، ومؤسس علم الاجتماع ابن خلدون، والرحّالة ابن بطوطة، والمفكر الجزائري مالك بن نبي، والبطل يوغورط، والمجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي.

كثير هم الباحثون الذين يعتقدون أن التغيرات التاريخية يجب أن تتبع التطور خطوة خطوة، وهم بذلك إنما يتابعون الثورات والتحولات في العالم، لإحضارها للأجيال اللاحقة، وإيجاد توازن بين ما كان وما هو موجود وما هو آتٍ. بمعنى آخر، أن يلبس الماضي ثوب الحاضر، لإضاءة أحداث في أزمان خلت وكان لها تأثير كبير على علاقات الشعوب بعضها ببعض.

ومن هؤلاء الكاتب والمؤرخ والمترجم المغربي د.محمد محمد خطابي، الذي ألقى أضواء على بعض مظاهر التأثير العربي الأمازيغي الإسلامي الإسباني في أميركا اللاتينية عبر شبه الجزيرة الإيبيرية، وذلك في محاضرة ألقاها مؤخراً في معهد "ميلشور دي خوبيانوس" في مدينة الحميمة المغربية.

ويعود خطابي إلى الماضي لرصد تاريخ العلاقات بين بلدان هذا القسم من العالم، بخاصة في مجالات الفكر والأدب والحضارة والترجمة. إذ تربطنا بقارة أميركا اللاتينية وشائج ضاربة في القدم وتقاليد مشتركة كانت لها في الغرب الأندلسي قواعد عربية إسلامية أصبح معها تاريخ هذه المنطقة وكأنه كتلة واحدة.

لقد كان لانقطاع الصلات بين الطرفين بعد خروج العرب المسلمين، أثر كبير في ظهور بعض العداوات بين الشعوب، وكما نعلم فإن أحداث الماضي ليس لها عودة وإن حاولنا استظهارها، فالماضي في جميع تفرعاته وتتالي أزمانه غير قابل بحالٍ من الأحوال ليصبح شيئاً ما يقترب من الحاضر، هذا إذا ما استثنينا قطعاً صغيرة منه أتيح لها البقاء في مواضعها ويمكننا استعمالها كمؤشرات لما كان وللإجابة عن الأسئلة التي يطرحها الحاضر، لتصبح هذه الفسيفساء من القطع الصغيرة مصدراً أو نبعاً من المعلومات لزيادة المعرفة عن أوضاع الماضي ومحاولة فهمه، ولتوظيفها في الربط بين الماضي والحاضر ولتكون أداةً لمحاولة فهم المستقبل وسبر أغواره ومعانيه.

إنّ محاولة الترميم هذه هي العامل النفسي التوسُّعي الذي يتيح لنا خبرات تتصل بواقعنا الحاضر، بل وتفوقه تقدماً نحو المستقبل.

ويحاول خطابي إيجاد قاسم مشترك في سبيل تمتين عرى الصداقة بين الشعوب الناطقة بالإسبانية ونظيرتها الناطقة بالعربية. وهو يعدّد العناصر الصالحة والمشتركة والموروثات الحضارية والتاريخية ليس بين إسبانيا والمغرب فحسب، بل بين الشعوب الناطقة بلغة "سيرفانتس" والعالم العربي عموماً.

ويقدم خطابي ما يشبه خريطة طريق لما كان ولما هو موجود ولما سيكون بين الدول في الجانبين. ويطالب باعتذار للمسلمين الذين أقاموا في إسبانيا (الأندلس) وحكموها، أسوةً بما يطلبه اليهود السفارديم من اعتذار عمّا حدث لهم في أوروبا من ترحيل.

ويركّز خطايي في كتاباته على الحضارة الإسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية متمثلة في إسبانيا والبرتغال، حيث كان التعايش السمح قاعدة راسخة، بل إن مظاهر هذا التسامح انتقلت إلى كثير من بلدان أميركا اللاتينية بعد أن سقطت غرناطة في عام 1492م.

إنّ بريق هذه الشعلة الخافتة التي كادت تؤول إلى نهايتها، قد بزغ من جديد بفضل علماء أجلّاء، أعادوا للصلات القديمة بريقاً لامعاً بإلباسها أثواباً جديدة، وهم وبذلك إنما يعيدون للأذهان حضارة كانت لنا يوماً هناك وكادت تنطمس. وهذا لعمري جهد علمي متميز في دراسة أخلاق الشعوب وعلاقاتها.

لقد كان لعدد من العلماء الجهابذة جهود عظيمة في هذا المضمار، فمن سوريا ولبنان خرجت هجرات وظهر مفكرون جدد، وكذلك من المغرب وخاصة من الأمازيغ. وكان كلّ من هؤلاء حلقة وصل للنظر في ذلك التراث وإعادة ما تلف منه إلى صورته الحقيقية، فقد كان بيننا وبين شعوب أميركا اللاتينية أخوّة في التقدم والكفاح ودفع الظلم.

ويدعو خطابي إلى العودة للماضي لاكتشاف أسمى أنواع التفاهم بين الشعوب، وإعادة بناء علاقات جديدة على أسس كانت ستندثر، وإحيائها بطريقة بحثية شفافة، وتحقيق "مصالحة تاريخية" تصبّ في مصلحة الجميع. وهو ما يمكن الوصول إليه عبر حركة الترجمة للعلوم والآداب في كلا الاتجاهين.

وباختصار، فإن رجوعنا ثقافياً إلى تلك الأصقاع البعيدة في إسبانيا والبرتغال والمكسيك إنما هو إعادة لأمجادنا في التاريخ العربي الإسلامي الأمازيغي، إلى أوطان كانت لنا لعهود طويلة. لذا يجب علينا إعادة لغة الأجداد إلى مسرح التاريخ، ودفع إخوة لنا من الأمازيغ الذين يتقنون لغات الشعوب، إلى حدود الشعوب الأخرى، ليكونوا حلقة متينة للوصل بين ما كان وما سيكون، خاصة بالترجمة إلى لغات "سيرفانتس". فالعودة هنا عودة ثقافية تقوم على حسن الجوار واستثمار منتجات علمائنا الكبار في الشمال الإفريقي التي يمكنها أن تساهم في إرساء الدعائم لعلاقات تعظّم المشتركات والجوامع.