كل الطرب يدخل إلى الأذن، إلا الإنشاد الديني، تنساب حروف قصائده الغارقة في الحب الإلهي لتمس قلوب المغرمين بالتصوف، فتسير أرواحهم دون وعي وراء تلك الحروف العذبة، حتى تحلق في عنان السماء.. هي حالة من الهيام لا تتغلب عليها أي إرادة، وليس أمام صاحبها إلا الاستسلام، إما لدموع تنهال على الخدود، أو لصيحات تتعالى بكلمة «مدد»، أو لشرود غير قابل للرجوع، شرود سيقود حتما إلى دنيا ليس فيها إلا صوت الشيخ ياسين التهامي، الذي اجرت معه مجلة الاهرام العربي الاسبوعية «حوار العمر» وأجراه الاستاذ عماد أنــور، الذي قال عن المنشد الصوفي ياسين التهامي، عميد المنشدين وأشهرهم، وهو وحده بأسلوبه المتفرد وصوته الرنان القادر على خلق تلك الحالة، التي يعيشها هو قبل أن ينقلها إلى محبيه، الواقفين أمامه في صفوف منتظمة يتمايلون يمينا ويسارا.

وعن كيف يقضي الشيخ ياسين التهامي يومه في رمضان؟ قال:

جميعنا يحرص في شهر رمضان على الإكثار من الطاعات، لذا أقضي يومي بين قراءة القرآن والذكر والصلاة، وأؤدي صلاة التراويح في مسجد التهامي، وهو مسجد بناه والدي الشيخ تهامي حسانين، بجوار منزلنا في قرية الحواتكة، التابعة لمحافظة أسيوط، لأن شهر رمضان كنز لكل من يدرك قيمته، هو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، أستقبله بتجديد كل طاقاتي من أجل الفوز بالثواب فى تلك الأيام المعدودة، وعلى الكل أن يقتنص هذا الشهر الكريم فى التقرب من الله.

وعن هل هناك عادة تحرص عليها فى شهر رمضان؟ قال التهامي:

بالطبع، وهي عادة تسعدني كثيرا، وأحرص على استمرارها منذ سنوات طويلة، ففى يوم 14 من رمضان، أدعو أصدقائي من جميع أنحاء العالم، لتناول الإفطار معا على مائدة نقيمها أمام منزلنا، وبعدها نتبادل الأحاديث الودية وتكون ليلة من أجمل ليالي رمضان، وفي آخر الشهر أذهب لأداء مناسك العمرة.

يقضي الشيخ ياسين التهامي أيام وليالي رمضان في منزل العائلة، وبين جدران مسجد والده، بقرية الحواتكة التي شهدت مولده عام 1949، وهناك نشأ في بيئة دينية وسط عائلة اشتهرت بالتصوف واهتمت بالإنشاد الديني، ودرس ياسين التهامي بالأزهر الشريف حتى المرحلة الثانوية، وحفظ كتاب الله، ثم دخل عالم التصوف من خلال كتب وأشعار عمالقة الشعر الصوفي منهم، عمر بن الفارض، ومحيى الدين بن عربي، ومنصور الحلاج، ومن هنا بدأت حياته كمنشد يحيي الليالي في قرى الصعيد، حتى صار عميد المداحين، وعن المدح والإنشاد انتقل حديثنا معه.

سماعك عبر مقاطع الفيديو، يختلف تماما عن حضور حفلاتك، وذلك بسبب حالة خاصة يدخل فيها الواقفون أمام خشبة مسرحك، فما سر تلك الحالة التى تدخل فيها أنت قبل مستمعيك؟

سر تلك الحالة هو أنني لست مؤديا، بل أستشعر كل كلمة، بل كل حرف من حروف الأشعار التي ألقيها، وأتجلى وألقي القصائد بروحي، وأعيش فى جوها، وأسبح معها فى عالم رباني، لذا لا تنتهي أي حفلة حتى أبكي مثلما يبكي الحاضرون، ومن هنا تنتقل الحالة إلى المستمعين، وهذا هو دور المنشد، أن يجعل الأشعار الصوفية بلغتها الصعبة ومفرداتها المعقدة، تصل إلى قلوب عشاق المديح بسلاسة وعذوبة، لاسيما أن منهم من لا يجيد القراءة والكتابة، فهو غالبا لا يستوعب تلك المعاني، لكنه يستشعرها بقلبه ويعيش معها.

جعلت بعض الناس يتابعون الأشعار الصوفية، لكن بالرجوع لقراءة هذه الأشعار، نجد اختلافا بين ما تلقيه وبين النصوص الأصلية؟

أنا لا أتقيد بالنص الأصلى كما هو، لكننى أحيانا أقوم بالارتجال ودمج الأشعار، بعيدا عن قيود الكلمات، ويمكننى أن أؤكد لك أن كل ما يقال هو فتح من الله سبحانه وتعالى.

بجلبابه البلدي وعمامته البيضاء يقف الشيخ ياسين على خشبة المسرح، ومن خلفه فرقته الموسيقية، وأمامه المئات من محبيه، وعندما يبدأ العزف يستشعر هو الحالة بكلمات مثل، «يا جليس الذاكرين» أو بذكر آل بيت رسول الله، حتى يدخل في الإلقاء بصوته الرنان، ومع الألحان الممزوجة بين الشعبي والشرقي، يتمايل المريدون يمينا ويسارا، يؤدون حركات يعرفها عشاق التصوف «بالتفقير»، وقد تتعالى أصوات بعضهم قائلين «مدد»، وبين حفلات الموالد أو الحفلات الخاصة لا تختلف الأجواء، وهو ما سألنا عنه.

البعض يفقد السيطرة على انفعالاته ومشاعره، ما التصرفات التى قد تخرج من جمهورك وتسبب لك ضيقا؟

هم ليسوا جمهوري، لكن جميعهم محبون، لذا لا يمكن أن يشعر أحد بالضيق من أحبابه، ومن الطبيعي أن يدخل أحدهم فى حالة قد تفقده وعيه، لكن ذلك يحدث قليلا جدا.

هل لك طقوس معينة فى حفلاتك؟

ما زلت حتى الآن أقبل أيادي المحبين والمجاذيب، كلما رأيتهم سواء قبل الحفلات في الموالد أم في الشوارع، لأني سأظل مجذوبا مثلهم.

أنت تحيي ليالي موالد آل بيت النبي مثل، الحسين والسيدة زينب، لكن المقربين منك يعرفون أن مولد السيدة نفيسة الأقرب إلى قلبك؟

لا، أنا عاشق لكل آل بيت رسول الله، وأسعد بالوجود لإحياء كل الموالد، ودعني أقل لك إن لكل منهم طعما وأجواء وروحانيات مختلفة عن الآخر.

هل اعتدت على زيارة أولياء الله بعيدا عن إحياء الحفلات؟

نعم من حين لآخر أتردد على زيارة أضرحة آل بيت النبي والأولياء الصالحين، والجلوس لفترات في مساجدهم وقراءة الفاتحة.

أحييت حفلات فى دول عربية وأوروبية كثيرة، فكيف يتفاعل أصحاب الجنسيات الأوروبية معك؟

أريد أن أقول لك إن أقوى تفاعل مع المديح هو من جمهور الدول الأوروبية، وحضور حفلاتي في الخارج ليس مقصوراً على الجاليات العربية فقط، كما أن مستمع الإنشاد الصوفي يتفاعل مع الحالة والألحان وليس لغة الإلقاء، مثل الموسيقى تماما، لأنها لغة محسوسة.

إذا هل يمكن أن نقول إن الإنشاد قوة ناعمة مثل الفن؟

الصوفية ليس لها مثيل، وهي أقوى وأسمى من ذلك بكثير، لأنها تحارب قبح العالم وهى النقاء ذاته، ولا يمكن أن يكون هناك شخص صوفي دون أن تصفو روحه من كل أنواع القبح الذى بات يسكن النفس البشرية، كما أنها هي السلام الذي يتمناه الجميع.

سافر الشيخ ياسين وأنشد في أكثر من دولة عربية وأوروبية، وأنشد على مسرح «الأولمبيا» الشهير في فرنسا، كما نال العديد من الجوائز، فبداياته كانت أواخر القرن الماضي في مولد السيدة زينب، لكن شهرته الحقيقية كانت فى منتصف السبعينيات، وظل أهم وأفضل المنشدين قرابة 30 عاما. لكن إذا كان هناك من سبقوه وعلى رأسهم الشيخ أحمد التوني، الذي يعتبره التهامي نفسه الأب الروحى للإنشاد، فمن يعتبره ياسين التهامي خليفته، وكيف يرى الإنشاد حاليا.

كيف ترى مستقبل الإنشاد؟

متفائل بالمستقبل وأتمنى أن تقوم الدولة بمساندة فرق الإنشاد، لأنها في حاجة شديدة لذلك حتى لا تضل الطريق، وحتى نستطيع العودة إلى الريادة، خصوصا أننا نملك كل مقومات التميز.

هل لفت نظرك وجود مواهب فى الإنشاد الديني؟

نمتلك الكثير من المواهب في الإنشاد والابتهالات الدينية، ولا بد من البحث عن هذه المواهب وتقديمها إلى الجمهور، حتى لا يندثر الإنشاد الديني، الذى يعتبر علامة مميزة فى التاريخ المصري.

أخيرا حدث دمج بين الإنشاد الصوفي مع الموسيقى الحديثة، ما رأيك فى ذلك؟

أنا دائما مع التطور والتحديث دون الإخلال بأصل الأشياء، وأنا أدخلت آله «الكمان» على فرقتي الموسيقية في أوائل السبعينيات، وأعتقد أن الدمج سيحدث في الأناشيد المسجلة فقط، لكن الحفلات المباشرة، لها طقوس وروحانيات.

من خليفة الشيخ ياسين التهامي؟

لدي ثلاثة أبناء ورثوا عني الإنشاد الديني وهم محمود ومحمد ومهدى.

وإذا كانت الملايين تعشق سماع صوت الشيخ ياسين التهامي وتعيش معه، فهو عاشق لمقرئي القرآن القدامى أمثال الشيخ محمد رفعت والشيخ الحصري والشيخ عبد الباسط عبد الصمد والطبلاوي، وللغناء من أذنه نصيب، فى صوت أم كلثوم.