طارق حمدان

عشر سنوات تفصل ما بين رائعته «الزمن الباقي» وفيلمه الجديد IT MUST BE HEAVEN أو «إن شئت كما في السماء»، عنوان يحمل قدراً من المواجهة المختلطة بالسخرية سواء في الإنكليزية أو العربية.

الفيلم الذي طال انتظاره للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان (1960) عمل جديد يكمل دائرة كانت قد انطلقت مع فيلمه الطويل الأول «سجل اختفاء» (1996) واستمرت مع «يد إلهية» (2002) و«الزمن الباقي» (2009). ثلاثية استطاع المخرج من خلالها أن يخلق هوية ولغة سينمائية وضعت بصمتها الخاصة في سينما العالم اليوم.

ها هو إيليا سليمان يكمل دائرته مستفيداً من كل العناصر التي ظهرت في أفلامه السابقة. نجد الوصفة والمكونات ذاتها التي صنعت سمعة أفلامه التراجيكوميكية: الأفكار التي تغرف من النكبة الفلسطينية، السخرية، الشخصيات التي تظهر إلينا في كل فيلم (نلاحظ كيف تقدموا في السن هذه المرة)، إيليا نفسه يلعب ذات الدور السلبي، المتفرج الصامت، يراقب عالماً سخيفاً مصنوعاً من الظلم والعنف، تفاصيل التصوير، الحركات الكوريغرافية، الحبكة التي تأخذ أهميتها في الطول أو التكرار، الإيقاع الذي يعتمد الصمت ليس اي الصمت بل الصمت الصاخب خيبة الأمل، المقاومة بالفنتازيا، أو فانتازيا المقاومة، مدينة الناصرة وصراعات الحي، الحياة اليومية. الخاسرون. إلا أن إيليا في فيلمه الجديد، يبدو وحيداً أكثر، فقد والديه، يشرب ويدخن كثيراً كما لم نره في أي فيلم. حتى الموسيقى التي تحتل موقعاً مهماً في أفلامه، نسمع نفس الريبرتوار: نجاة الصغيرة وليونارد كوهين، ربما للتأكيد على جمالية ما، أو ربما النوستالجيا باعتبارها مأساة الراهن.

ولكن ما الجديد في الفيلم الأخير؟ ما الذي يريد قوله في فيلمه الرابع بعد عقد من الزمن؟

في «إن شئت كما في السماء»، يكمل سليمان سيرته الذاتية بين الناصرة وباريس ونيويورك، في كوميديا كاوية تتأرجح ما بين البدايات والنهايات. سيغادر فلسطين، ستتسع الدائرة أكثر، لتتعدد الخطابات، لن يكون المجاز هو اللاعب الوحيد، بل المباشرة أحياناً، والمخرج الذي لطالما لعب دور الشخصية الأولى في أفلامه صامتاً، سنسمع صوته للمرة الأولى، سيتكلم، ليقول جملة واحدة فقط: «أنا من الناصرة، أنا فلسطيني»،

لن نتحدث هنا عن الناصرة، شاهدناها في أفلامه السابقة وهي بالمناسبة ذاتها في فيلمه الجديد. سيغادر إلى باريس، المدينة المتحف ذات الديكور السياحي الأقرب إلى استعراض هزلي، تنطوي وراءه العدالة الغائبة متخذة أشكالاً متعددة، من الأزياء إلى القطع الحربية التي تجوب العاصمة احتفالاً باليوم الوطني؛ هذا اليوم الذي نشاهد فيه الأسود من أصول إفريقية كعامل نظافة، والأبيض على مدرعة عسكرية، هذا الديكور الأبَّهة الذي يسحق الأنوار في «مدينة الأنوار» التي تخفي خلف واجهتها الفاتنة؛ عالماً سفلياً يسكنه الفقراء والمشردون واللصوص والمتحرشون. وللمرة الأولى، يتطرق إيليا في فيلمه الجديد إلى صناعة السينما، عندما يزور أحد المنتجين الفرنسيين، الذي يعتذر له عن عدم إنتاج فيلمه، كون السيناريو ليس «فلسطينياً» بما فيه الكفاية. وهنا يشير إلى أمر فادح يخص الإنتاج الثقافي والفني الفلسطيني، وبالتحديد الفنان الفلسطيني الذي غالباً ما يطغى تصنيفه الفلسطيني على الفني.

كوميديا كاوية وسيرته الذاتية بين الناصرة وباريس ونيويورك

بعد باريس، ينتقل بنا سليمان إلى نيويورك، في قسم تتكثف فيه السخرية. نجد مدينة مدججة بالأسلحة التي تتحول إلى مكمل أو أكسسوار عادي يحمل كالحقائب على أكتاف الجميع، في الشوارع والسوبرماركت والتاكسي. ولأن الموضوع الفلسطيني محرم وقد يرتقي إلى فعل مجرَّم، نجد هذه الفكرة تتخذ شكل امرأة على هيئة ملاك يغطي صدرها علم فلسطين، تطاردها جموع الشرطة حتى يهيأ إليهم أنهم انقضوا عليها لتختفي بعد ذلك. يلجأ سليمان إلى قارئ الحظوظ لمعرفة إجابة حول سؤال جوهري «هل سيكون هناك فلسطين؟» ليكون الجواب «نعم.. ولكن ليس في حياتك»، وفي نيويورك، يتوقف المخرج مجدداً عند عمله كصانع أفلام، مقدماً خطاباً جريئاً حول صناعة السينما. ففي القسم الباريسي السابق؛ نجد إيليا سليمان خارج مستوى توقعات هذه المراكز المهيمنة في السينما، التي تقوم بتمويل الفنون عن «طيب خاطر»، بشرط أن تنتج المزيد من الأفلام التي تتفق مع أمزجتها وسياساتها، بينما في نيويورك، سليمان هو حتى غير موجود في مشهد سينمائي مغرق في أميركيته وسخافته. هنا يستعين المخرج بالممثل المكسيكي الشهير غابرييل غارسيا برسنال الذي يرافق إيليا لإجراء مقابلة في إحدى شركات الإنتاج، حيث تهتم المنتجة أو المخرجة الأميركية ببرسنال الذي تريد استخدامه في فيلم ذي لكنة أميركية يتناول الصراع الكولونيالي في المكسيك، بينما يتم تجاهل سليمان، فالنظام الاستعماري يتم تكريره (بكولونيالية فنية) مسيطراً مادياً وثقافياً على صناعة السينما.

ماذا تبقى للحديث عن هذا الفيلم؟ الكثير الكثير طبعاً، هو فيلم أخرجه صاحبه من عشرات الدفاتر التي رافقته في أسفاره خلال العقدين الأخيرين، حيث دوَّن أفكاره وملاحظاته وأحلامه. سنجد رواية في كل مشهد، وحدثاً في كل إيماءة، وطبقات متعددة تحتمل الكثير من التأويلات. تجتمع الفانتازيا مع المجاز، في ملهاة مأساوية تقترح أن العالم بأكمله يميل إلى أن يكون فلسطين. عالم تحاصره الدول البوليسية، والقوى المهيمنة بأسلحتها التي تتمظهر في أشكال عدة لتؤدي الغرض نفسه، سواء كانت أسلحة إسرائيلية تفتك بأصحاب الأرض، أو طائرات ودبابات تستعرض في شوارع «مدينة الأنوار»، أو بنادق ومسدسات معلقة على أكتاف وخصور الأميركيين. هو فيلم عن الهيمنة لا الخشنة فقط، بل حتى الناعمة التي قد تظهر على هيئة عمل سينمائي. في نهاية الفيلم، يعود إيليا سليمان إلى الناصرة «جنته المفقودة»، ويزور القرية المهجَّرة ليرى طيفاً ساحراً لامرأة فلسطينية من الماضي (ما قبل النكبة). بعدها، ينتقل بنا إلى الحاضر في إحدى الحانات الفلسطينية، وهكذا يعد نهاية لا تقول شيئاً كثيراً في فيلم يهديه إلى صديقيه المفكر والناقد البريطاني جون برجر والمنتج الفرنسي هامبر بلزان وإلى والديه.

دفع إيليا سليمان بفيلمه في آخر اللحظات للمشاركة في «مهرجان كان السينمائي» الذي شهد هذا العام دورة قوية مستعرة شارك فيها العديد من المخرجين الذين كانوا قد نالوا سعفاً ذهبية سابقاً. حاز الفيلم «جائزة الاتحاد الدولي لنقاد السينما فيبرسي»، وحصل على «تنويه خاص» في الحفل الختامي للمهرجان بعدما ظهر اسمه في أربعة ترشيحات للجوائز الرسمية. قد لا يكون الفيلم الأفضل لإيليا سليمان، قد نتوقف عند بعض المشاهد ونشعر أنها طويلة، لكنه بدون شك فيلم يحكي فيه المخرج بجرأة عن الكثير من المواضيع التي نازعته.

بعد انتهاء عرض الفيلم في قاعة «لوي لوميير»، وقف الجمهور بتصفيق حار استمر لعدة دقائق. سيقف ابن الناصرة، الخجول قليل الكلام الذي طالما قاوم بصمت «لأن العدو يحب الضجيج»، سيقف هذه المرة وهو يقاوم انهمار دموعه التي رأيناها تترقرق في عينيه، هل هي دموع الفرح؟ المرارة؟ الأسى على فلسطين والعالم؟ ربما كانت كل ذلك وأكثر.