كتب: خالد قوقزة

العيد في حاراتنا المنسية كان غير، وكانت له طقوسه الجميلة التي كانت تتضمن صلاة العيد وزيارة القبور والدعاء لهم وزيارة الارحام

من اخوات وخالات وعمات وبنات اخ وبنات اخت ومنحهن ما طابت به الخواطر من نقود او هدايا، والسلام على الجيران والأقرباء

والأصدقاء. هذه الطقوس التي بدأت تدخل طي النسيان مع نسيان الحارات وذهاب اهلها الطيبين.

ليلة الإعلان عن العيد (الفِطِر او الأضحى) يبدأ الرجال بتحضير ملابس العيد، وكذلك النساء والصبيان.

ابو فلاح وبقية رجال الحارة بعد صلاة الفجر يرجعون لبيوتهم فليبسون القمباز او الدامر ويذهبون الى المسجد لصلاة العيد، ومعهم

اطفالهم الذين لبسوا ما أشتراه لهم الأباء بمناسبة العيد. بعد الصلاة يبدأ الرجال بتهنئة بعضهم البع.. كل عام وانت بخير.. كل سنة وأنت

سالم.. وبعدها يذهبون الى المقبرة لزيارة القبور، وفي الأثناء يكون هناك العديد من ذوي المتوفين يقفون على مدخل المقبرة، فمنهم من

يحمل معه قراص العيد، ومنهم من يحمل صفاط من الراحة او العجوة، فيوزعونها على الزائرين عن ارواح المتوفين.

ابو فلاح واولاده يذهبون لزيارة العنايا (البنات والاخوات والخالات والعمات) فيسلمون عليهن ومن ثم يسلموهن العيديات، اما نقود واما

هدايا. وبدورهن تقوم العنايا بإكرام الصغار، فهذه أخت «ابو فلاح» فضية تضع بيد مفضي ابن فلاح شلم البريزة وتعبي جيبته مخشرم

وتوفة إنجليزية، وتقوم بتمطيقه على خدوده حتى يصيروا حُمُر مثل الشوندرة وكانها من سنتين مش شايفيته بالرغم أنه كل يوم بظل لما

تغيب الشمس وهو يلعب مع إبنها فضي دواحل بحوش دارها.

اما نسوان الحارة فكل واحدة تقوم بواجب البيت من تنظيف وخبز الشراك وتجهيز القهوة السادة، وبعدها يلبسن المدارق والحطات

والبوشيات واللي عندها عُرجة وقلادة رشادي تلبسها وتتباهى فيها، ويستنن اهاليهن اللي راح يعايدوا عليهن. واللي بتكون عيديته او

هديته مليحة وعليها العين تتعربشه العنية وبتقربط فيه وبتمرمط قُمبازه وهي تعزم عليه مشان يتغدا عندها، واللي بتكون عيديته مش ولا بُد

تتعذّر منه تعذير باهت، وبتكون عزيمتها رخوة... شو رايك خيوه تتغدا عندنا؟

اما الصغار فتكون فرحتهم عارمة، فمن جهة يكونوا فرحانين بالملابس الجديدة واللي يحطوها جنب الفرشة مشان لما يصحوا بدرعوها

ويظلوا بوجهم لقضاء العيد ببدلة جديدة وبصندل او ببوت جديد وكذلك فرحهم بالعطلة، ومن جهة ثانية فرحانين بالهدايا اللي راح يوخذوها

من اخوالهم وخالاتهم اللي مش راح يبخلوا عليهم بأي إفراطة من قروش وشلومة، لأنهم راح يشتروا سحبات وبالونات ويشتروا أيما

بوظه ودورادو وأسكيمو بورد من دُكّان ابو عيسى التُكّنچي، وآخر النهار راح يصيبهم إهرار وإسهال.

بكل عيد في حاراتنا المنسية كان الختيارية ما يخلوا بيت الا ويدخلوه ويسلموا على أهله، وما كانوا يستثنوا أحد من السلام.

آه يا دنيا راحوا الطيبين وراحت معهم البركة، وراحت القلوب النقية، وحلّت محلها قلوب سوداء قاسية مثل حجر الصوان، مليانة حقد

وحسد وكراهية، الأخ بطل يشوف اخوه حتى بالعيد، الجار بطل يعرف مين هوه جاره. بطلنا نشوف مخشرم ولا جعيجبان ولا راحة،

حتى قراص العيد صرنا نشتريها من الفرانات لأنه اللي كانن يخبزن القراص صارن بدار الحق وظلينا نحن بدار الباطل.