كيف لنا ان نتحمل اثقال الحياة لعمارة الارض كما اراد الله تعالى؟

د.محمد القناوي

دكتور محاضر في مركز الملك عبدالله الثاني وامام وخطيب مسجد السلط الكبير، وحاصل على الدبلوم العالي للامامة والوعظ، وله العديد من البحوث والمشاركات في المؤتمرات، حاصل على اجازات في تلاوة القرآن الكريم والقراءات، حاصل على دورات في كلية الأركان في عمان، ودورة في رسالة عمان، ومعتمد في تحكيم الابحاث في المجلات الدينية في الاردن.

يقول الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).

ثم يبشر الله تعالى بما سيعود من الفوائد الحتمية على أمته (أُولَـئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَائِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ).

وهنا يحق لنا ان نقول «إن اثقال الحياة لا يطيقها الضعفاء، والمرء اذا كان لديه متاع ثقيل لم يستأجر له ضعفاء، انما ينتقي له ذوو الكواهل الصلبة والمناكب الشداد، كذلك الحياة لا ينهض برسالاتها الكبرى، ولا ينقلها من طور الى طور الا الاقوياء الصابرون وكثيرا ما تقرأ في شريعتنا من التكليفات الشاقة التي فرضها واقع حتمي يتطلب هذا النوع من الأقوياء لنعلم انه يريد سبحانه صناعة رجال شداد يؤمنون بان مغالبة الحياة ليس لمن يُكثر الضرب، بل لمن يتحمل الضرب في الأرض.

ثم نعود لنرى معدن الاقوياء الذين توالت عليهم المصاعب لكنهم شداد، يتحملون، ويصبرون، وما هي الا فترة قصيرة، فاذا هم منصورون من الله تعالى والنصر صبر ساعة، وقد نتساءل كيف تُصنع هذه المعادن التي تحمل وتتحمل اثقال الحياة؟ والجواب في فلسفة التربية بالتكاليف الشاقة واعتيادها وتكرارها والشيء اذا تكرر تقرر حتى يصير ملكة، ومهارة، وصفة لا تنفك عن صاحبها. وخذ مثالا، لجيش طالوت.

(فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّـهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّـهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).

والملاحظ المعتبر هنا، هو في التربية على قوة الارادة فمن صبر على العطاس فهو اصبر على ما هو اقل تأثيرا منه.

وما أدق الوصف النبوي للكثرة الهزيلة عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم «ولكنكم غثاء كغثاء السيل» وان كانت اثقال الحياة لا يطيقها الضعفاء ولو كثر عددهم، فكذلك لا يطيقها المشوشون التي تبددت طاقاتهم وتشوشت افكارهم. وخذ مثالا لإختيار سيدنا يوشع لرجاله.

يقول رسول الله عليه الصلاة والسلام «غزا نبي فقال لا يخرج معي ثلاث رجل عقد على امرأة ولم يبن بها. رجل خل خلفات (غنمات) ولم ير نتاجها. رجل بنى بيتا ولم يرفع سقوفها.

وبالطبع فان ذلك ذكاء القائد العالم، فهؤلاء الثلاثة لا يطيقون الصمود، وليسوا اهلا لحمل اثقال الفتح المبين، فان شغل القلب، وشتات الفكر، مانع لا محالة للتفرغ المفضي الى الاتقان والاحكام، ومن هنا تحصل الهزائم.

ومثل ذلك ما قرأناه في رواة الحديث الذين برعوا وابدعوا واتقنوا وكانوا ثقاتا في نقل ما سمعوه عن غيرهم.

كان في مجلس الامام مالك، طلاب ورواة، ومنهم يحيى بن يحيى الليثي وهو من رواة مالك ففي مجلسه صاح صائح ان بالمدينة قدم فيل ضخم، فهرعوا جميعا ليرونه (وبالطبع ان الفيلة لم تكن معروفة في المدينة)، خرجوا جميعا وتركوا مجلس الحديث الا يحيى بن يحيى الليثي فقال له مالك لِمَ لم تخرج معهم هل رأيت الفيلة من قبل؟

قال: اني رحلت الى المدينة لارى الامام مالك لا لأرى الفيلة.

الفائدة هنا: في أنه إلى الآن لم يُعرف احد من تلاميذ مالك تعتمد روايته الا يحيى بن يحيى الليثي فان روايته عن مالك هي المعتمدة للموطأ «موطأ مالك» أما غيره من المتفرجين فلم يذكرهم لنا التاريخ وفي النهاية.. اقول: اثقال الحياة لا يطيقها الضعفاء، ولا يطيقها اللاهون المشتتون المشغولون بغير رسالة امتهم ونهضتها. فاعتبروا يا اولى الابصار.

معلومة

الحكمة من إخفاء موعد ليلة القدر وعدم ثبات موعدها

عندما نزل القرآن فيها على النبي خرج لإبلاغ الصحابة، فوجد شخصين يتناحران وانشغل بهم، فأنساه الله إياها، ولم يتذكر موعدها، لكنه قال تلمسوها خلال الليالي الوترية في العشر الأواخر من رمضان.

وسبب تغيير ليلة القدر وعدم ثبات موعدها أن الناس فى بداية شهر رمضان تكون هممهم مشحونة ومقبلين على الصوم والصلاة وتلاوة القرآن الكريم، ولكن شيئًا فشيئًا يقل هذا الإقبال وتتراجع الهمم، متابعا: «فوضع الله سبحانه وتعالى ليلة القدر فى العشر الأواخر ليعيد الهمم من جديد، من أجل الاستمرار فى العبادة».

أدعية ليلة القدر

دعاء ليلة القدر المأثور، هو ما ورد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: «قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».

دعاء ليلة القدر اللّهم ارزقني فضل قيام ليلة القدر، وسهل أموري فيه من العسر إلى اليسر، واقبل معاذيري وحطّ عني الذنب والوزر، يا رؤوفاً بعبادك الصالحين، إلهي وقف السائلون ببابك، ولاذ الفقراء بجنابك، ووقفت سفينة المساكين على ساحل كرمك يرجون الجواز إلى ساحة رحمتك ونعمتك، اللّهم ما قسمت في هذه الليلة من علم ورزق وأجر وعافية فاجعل لنا منه أوفر الحظ والنصيب. اللّهم ارزقنا عملاً صالحاً يُقرّبنا إلى رحمتك، ولساناً ذاكراً شاكراً لنعمتك، وثبتنا اللّهم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إلهي ربح الصائمون، وفاز القائمون، ونجا المخلصون، ونحن عـبيدك المذنبون، فارحمنا برحمتك، وجُدْ علينا بفضلك ومِنَّتك، واغفر لنا أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلّ الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم. اللّهم إني أسألك صدق التوكّل عليك، وحسن الظنّ بك، اللّهم ارزقنا قلوباً سليمة، ونفوساً مطمئنة، اللّهم إني أستخيرك بعلمك واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علّام الغيوب، إلهي إن كنت لا تكرم في هذا الشهر الأمن أخلص لك في صيامه فمن للمذنب المُقصّر إذا غرق في بحر ذنوبه وآثامه.

الحكمة من وجوب زكاة الفطر

لا شك أن مشروعية زكاة الفطر لها حِكم كثيرة من أبرزها وأهمها:

1 – طُهرةٌ للصائم، من اللغو والرفث، فترفع خلل الصوم، فيكون بذلك تمام السرور.

2 – طعمةٌ للمساكين، وإغناء لهم عن السؤال في يوم العيد، وإدخال السرور عليهم؛ ليكون العيد يوم فرح وسرور لجميع فئات المجتمع.

3 – مواساةٌ للمسلمين: أغنيائهم، وفقرائهم ذلك اليوم، فيتفرغ الجميع لعبادة الله تعالى، والسرور والاغتباط بنعمه، وهذه الأمور تدخل في حديث ابن عباس رضي الله عنهما (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين...).

4 – حصول الثواب والأجر العظيم بدفعها لمستحقيها في وقتها المحدد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس المشار إليه آنفاً: (فمن أدَّاها قبل الصلاة فهي صدقة مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات).

5 – زكاة للبدن حيث أبقاه الله تعالى عاماً من الأعوام، وأنعم عليه سبحانه بالبقاء؛ ولأجله استوى فيه الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والحر والعبد، والكامل والناقص في مقدار الواجب: وهو الصاع.– شكر نعم الله تعالى على الصائمين بإتمام الصيام، ولله حكم، وأسرار لا تصل إليها عقول العالمين.

زكاة الفطر فرض على كل مسلم فَضُل عنده يوم العيد وليلته صاع من طعام، عن قوته وقوت أهل بيته الذين تجب نفقتهم عليه؛ لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر في رمضان على كل نفسٍ من المسلمين: حرٍّ أو عبدٍ، أو رجلٍ، أو امرأةٍ، صغيرٍ، أو كبيرٍ، صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير) وهذا لفظ مسلم في رواية, ولفظ البخاري: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على العبد، والحر، والذكر، والأنثى، والصغير، والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة). وفي لفظٍ للبخاري عن نافع عن ابن عمر: (فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر – أو قال: رمضان – على الذكر، والأنثى، والحر، والمملوك: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فعدل الناس به نصف صاع من برٍّ، فكان ابن عمر يعطي التمر, فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيراً، فكان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير، حتى إن كان يعطي بنيَّ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يعطيها للذين يقبلونها، وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين).

ويستحب إخراج زكاة الفطر عن الحمل؛ لفعل عثمان رضي الله عنه .

وتخرج عن المملوك يخرجها سيده عنه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس على المسلم في فرسه، ولا في عبده صدقة إلا صدقة الفطر).

فتوى

إذا توفي شخص وعليه ديون كثيرة، وورثته غير قادرين على السداد، فهل يجوز دفع جزء من زكاة أموال لسداد جزء من دينه؟

قضاء دين الميت واجب إن كان للميت مال، فتُقضى به الديون قبل الوصية وقبل تقسيم التركة على الورثة، فإن بقي شيء بعد ذلك تقاسمه الورثة كل على حسب حصته، قال تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) النساء/11.

ولا يجب على أحد من الورثة أو غيرهم أن يتولى قضاء الدين عن الميت الذي لم يترك ما يقضى به دينه، إلا باختياره ورضاه، قال عليه الصلاة والسلام: (إِنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) رواه أحمد، فإن تبرع أحد الورثة بقضاء دين الميت جاز وبرئت ذمة الميت من الدين.

وأما مسألة قضاء دين الميت من الزكاة، فاختلف فيها الفقهاء على قولين:

الأول: مذهب جمهور العلماء من الحنفية، والشافعية في الأصح عندهم، والحنابلة على أنه لا يصح قضاء دين الميت من الزكاة؛ إذ لا يمكن الدفع إليه على وجه التمليك.

قال الإمام الحصكفي رحمه الله: «ويشترط أن يكون الصرف تمليكاً لا إباحة كما مر، لا يصرف إلى بناء نحو مسجد ولا إلى كفن ميت وقضاء دينه» (الدر المختار وحاشية ابن عابدين 2/ 344).

وقال الإمام النووي رحمه الله: «ذكر صاحب «البيان»: أنه لو مات رجل عليه دين ولا وفاء له، ففي قضائه من سهم الغارمين وجهان، ولم يبين الأصح، والأصح الأشهر: لا يقضى منه» (روضة الطالبين 2/320).

وقال الإمام البهوتي رحمه الله: «ولا يقضي منها دين ميت غرم لمصلحة نفسه أو غيره، حكاه أبو عبيد وابن عبد البر إجماعا؛ لعدم أهليته، أي: الميت لقبولها، كما لو كفنه، أي: رب المال منها، أي: من الزكاة» (كشاف القناع 2/269).

والقول الثاني: يجوز دفع الزكاة ‏لقضاء دين الميت لعموم الآية، وهي تشمل كل غارم حياً كان أو ميتاً، وهو قول المالكية، وقول عند الشافعية.

جاء في (الشرح الكبير للشيخ الدردير1/496): «مدين يُعطى منها ما يوفي به دينه إن كان حراً مسلماً غير هاشمي، ولو مات المدين فيوفي دينه منها، ووصف الدين بقوله: يحبس -أي شأنه أن يحبس فيه- فيدخل دين الولد على والده والدين على المعسر وخرج دين الكفارات والزكاة».

أحاديث رمضانية

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصيام جنّة وحصن حصين من النار) رواه أحمد.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر) رواه البيهقي في «السنن»، والضياء في «الأحاديث المختارة»، وإسناده حسن.

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك لتصوم الدهر وتقوم الليل)، فقلت: نعم، قال:(إنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين، ونَفِهَتْ له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله)، قلت: فإني أطيق أكثر من ذلك، قال: (فصم صوم داود عليه السلام، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً). رواه البخاري ومسلم. معنى (نَفِهَتْ) أي: تعبت، وكلَّت.

معركة

عين جالوت

كانت معركة عين جالوت في سنة 658هـ، بين المسلمين بقيادة سيف الدين قطز، وبين التتار بقيادة كتبغا، وكان سببها احتلال التتار للعالم الإِسلامي، وإِسقاطهم للخلافة في بغداد، ثم تهديدهم باحتلالِ مصر، وعزمهم الأكيد على ذلك.

تولي الشيخ العز بن عبدالسلام قيادةَ التجهيز المعنوي للمُسلمين، وتبعه بقية العلماء.

أفتى الشيخ العز بن عبدالسلام بأنَّه لا يسيغ للحاكم أنْ يأخذ من أموال الناس شيئًا، إِلاَّ إِذا تساوى الأمراء المماليك مع العامَّة في الملابس وأدوات الزِّينة من الذهب والفضة وغيرها، فإِذا تساووا، ولم يكن مع الأمير سوى فرسه، وما يلزمه من أدوات الحرب ساغ للحاكم حينئذ أخذُ شيء من أموال الناس في دفع الأعداء عنهم، وامتثل لذلك قطز؛ حيثُ بدأ بنفسه، فأخرج ما في بيته من أموال، ثُمَّ أخذ من الأمراء قبل أن يفرض الضَّرائب على الناس.

أرسل هولاكو وفدًا إِلى سيف الدين قطز يَحمل رسالةَ تهديد ووعيد، يخبر فيها بأنَّ سيوفهم صواعقُ ورماحهم مواحق، وأنَّهم لا يرحمون مَن شكا، ولا يرقُّون لمن بكى، واستشار قطز الأمراء من حوله فيما يجيب به التتار، فأشار مُعظمهم بالتلطُّف مع رُسِل هولاكو، ورجاء الاتفاق معهم على مال يُؤدُّونه جزية إِليه كلَّ سنة؛ حتَّى لا يهجم عليهم، وهنا غضب الملك المظفر غضبًا شديدًا، وصاح فيهم قائلاً: إِن الله تعالى يقول في كتابه: «حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ» (التوبة: 29)، وأنتم تريدون منَّا أن نعكس الآية، فنقول: حتى تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، ثم قام إِلى كبيرهم، فاختطف منه سيفه، وكسره على ركبته، ثم ألقاه أمامه، وهو يقول: إِنَّ السيفَ الذي يجبن حاملُه على القتال لخليقٌ أن يكسر هكذا، ويُلقى في وجه صاحبه، ثم أمر بإِحضار الرُّسل، فقتلهم وعلَّق رؤوسهم على باب زويلة فيما عدا واحدًا منهم أطلعه على ما حدث بزملائه، وأراه عرضًا عسكريًّا للجيش المصري، ثم قال: أخبر مولاك اللعين بما شاهدته من بعضِ قُواتنا، وقل له: إِنَّ رجال مصر ليسوا كمن شاهدهم من الرِّجال قبلنا، وسلّمه جوابًا مختومًا إِلى هولاكو برفض إِنذاره وتأهبه لملاقاته.

رأى قطز أنْ يبادر التتار قبل أن يبادروه، وأن يذهبَ إِليهم في الشام قبل أنْ يهاجموه، فأصدر تعليماته إِلى الأمراء والقُواد بدعوة أجنادهم للمسير إِلى الصالحيَّة، وتقدَّم هو بالمسير حتى نزل بالصالحية ينتظر تكامُل العساكر.

بعد تمام الاستعداد أرسل قطز حملة استطلاعية بإِمرة الظاهر بيبرس إِلى غزَّة، فانتصر على حملة تتارية كبيرة، وبَقِيَ يُناور التتار؛ كي لا يعلموا بتحرُّك الجيش الرئيس الذي يقوده قطز من مصر.

سار قطز مع السَّاحل الشمالي باتِّجاه عكَّا، وهدَّد الصليبيين إِن بدرت منهم أيَّة بادرة شر، وطلب منهم أن يكونوا على الحياد.

تقابل قطز وبيبرس، واستيقظ التتار على صهيل جيش المسلمين، تملأُ عليهم سهلَ البقاع، والتقى الجيشان في عين جالوت، وتدفَّق التتار إِلى ذلك الميدان، ودارت معركة عنيفة بين الطرفين.

قتل فرس قطز أثناء المعركة، فحارب على قدمه، ورفض أن يأخذ فرس أحد الأمراء بعد عرضه عليه، قائلاً: «ما كنت لأحرم المسلمين نفعك»، ولم يزل كذلك حتى جيء إِليه بفرس.

ألقى قطز بخوذته عند احتدام القتال، وصاح: «وا إِسلاماه».

قُتل كتبغا، وأُسر ابنه أثناء المعركة، وأمر قطز الأمير بيبرس باتِّباع الفارِّين، فاتَّبعهم حتى وصل حلب، وهرب مَن كان في دمشق من التتار، وتَبِعَهم المسلمون من أهل دمشق يقتلونهم، ويستخلصون الأسرى من بين أيديهم.

انتهت المعركة، وتهلَّلت وجوه المسلمين فرحًا واستبشارًا بهذا النصر العظيم، الذي لم يسكرهم ولم يطغهم، بل خَرَّ الملك المظفر ساجدًا لربه، وأطال السجود، ثم رفع رأسه والدموع تنهمر على لحيته، حتَّى سلَّم من صلاته، فاعتلى صهوة جواده، وخطب في جيشه قائلاً: «أيها المسلمون، إِياكم والزَّهوَ بما صنعتم، ولكن اشكروا الله، واخضعوا لقُوَّته وجلاله، وما يدريكم لعل دعوات إِخوانكم المسلمين على المنابر في الساعة التي حملتم فيها على عَدُوِّكم من هذا اليوم العظيم يوم الجمعة، وفي هذا الشهر العظيم شهر رمضان كانت أمضى على عدوِّكم من السيوف التي بها ضربتم، والرِّماحَ التي بها طعنتم، والنِّبال التي بها رَميتم، واعلموا أنَّكم لن تنتهوا من الجهاد، وإِنَّما بدأتموه، حتَّى تقضوا حق الإسلام بطرد أعدائه من سائر بلاده، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله».