المستقبل للأبحاث والدراسات



انعكست التوترات الإقليمية والضغوط الأميركية المتزايدة على وسائل الإعلام الإيرانية، حيث ركزت الصحف الصادرة في طهران على قضية محورية تتمثل في احتمالات تعرض إيران لضربه عسكرية أميركية، إذ تباينت تقديرات المتابعين لمدى إمكانية قيام إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوظيف الأداة العسكرية في مواجهة طهران والتداعيات التي قد تترتب على هذا السيناريو. وتغلب على ترجيحات الإعلام الإيراني أن سياسة «حافة الهاوية» التي يتبعها ترمب تهدف إلى الضغط على إيران للتفاوض دون استخدام القوة العسكرية فعلياً ضد إيران، كما أن غالبية المحليين أبدوا رفضاً لعقد صفقة مع واشنطن بسبب توقعاتهم لارتفاع مستوى المشروطية التي قد يفرضها ترمب على طهران.

دوافع التصعيد:

تتمثل أهم الأسباب التصعيد الأميركي مع إيران خلال الفترة الماضية حسبما رأي المحللين الإيرانيين فيما يلي:

1- الانتخابات الرئاسية الأميركية: رأي المؤرخ وأستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة طهران «بيروز مجتهد زاده» في حواره مع صحيفة «آرمان امروز» والمنشور بتاريخ 25 مايو 2019 أن أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت ترمب للقيام بحشد القوات الأميركية في المنطقة هو قرب قدوم الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2020، حيث يسعي ترمب للإيحاء للشعب الأميركي أن هناك حرباً قادمة وأن عليهم الاتحاد وراء رئيس معين لمواجهة ذلك.

ويري «مجتهد زاده» أن أي رئيس أميركي يختلف في فترة رئاسته الأولى عن الثانية، حيث إنه في الأولى يطلق شعارات عديدة ويكون حماسياً أكثر إلا أنه في الثانية «يسعى إلى حفظ مكانته في التاريخ». ويضرب الكاتب مثالاً على ذلك من خلال التطرق إلى فترة رئاسة جورج بوش الابن (2001-2009) وكيف أنه كان يتعامل بمنطقية أكثر في الفترة الرئاسية الثانية عنها في الأولى، فلم يعد يطلق الشعارات كما كان في الأولى وبدأ يسير بعقلانية أكثر.

2- حرب نفسية: حيث رأي الكاتب الإيراني الشهير «محمد رضا ستارى» في مقاله المعنون «ترمب غير جدير بالثقة في هذه المبادرة» في صحيفة «ابتكارالإصلاحية والمنشور في 23 مايو 2019 أن هدف الولايات المتحدة من إرسال قواتها العسكرية إلى المنطقة هو شن حرب نفسية وإعلامية من أجل التأثير على الرأي العام الإيراني وإقناع طهران بضرورة الجلوس على طاولة المفاوضات من جديد للتوصل إلى اتفاق آخر غير ذلك الذي تم التوصل إليه في عام 2015.

ويشير الكاتب إلى أنه على الرغم من أن واشنطن كثّفت من عقوباتها النفطية على إيران، وصنفت الحرس الثوري منظمة إرهابية، وألغت الإعفاءات التي كانت قد منحتها لعدد من الدول، وفرضت عقوبات على عدد من الصناعات، إلا أنها في النهاية لا ترغب في الحرب.

ويؤكد «ستاري» إن الولايات المتحدة تتبع في سياستها ضد إيران الإستراتيجية التي طرحها مهندس شبكة العقوبات الأميركية ضد إيران «ريتشارد نفيو» والتي تنص على أنه إذا لم يتغير سلوك فاعل ما بعد زيادة الضغوطات، فإن هيكل العقوبات سينهار كلياً ويفشل.

ويتفق معه في هذا الرأي الخبير الإيراني في العلاقات الدولية «جعفر قناد باشي» في مقاله المنشور في 21 مايو 2019 بصحفية «جام جم» الأصولية تحت عنوان «العقوبات الاقتصادية مجرد خيار وتهديد فاشل» حيث رأي أن التحركات الأميركية الأخيرة خدعة سياسية فقط، حيث أن النظام الأميركي لم يعد أمامه سوي شن حرب نفسية واقتصادية لإثارة الشعب ضد النظام الإيراني.

ورأي «باشي» أن السياسيين الأميركيين لا يستطيعون فهم إيران منذ عام 1979، قائلاً أنهم «وقعوا في أخطاء كثيرة خلال محاولتهم رسم استراتيجية عملية للتعامل مع إيران، وينبغي اعتبار دونالد ترمب الأكثر خطأ من بين رؤساء الولايات المتحدة في مسألة فهم إيران».

ووصف السفير الإيراني السابق في المكسيك واستراليا «محمد حسن قديرى ابيانه» هذا التصعيد بأنها ضغط نفسي لإجبار إيران على الاستسلام. حيث تشن واشنطن حرباً نفسية عن طريق إظهار قدراتها العسكرية.

3- نظرية «الرجل المجنون» (Madman Theory): ذهبت بعض التحليلات للتأكيد على أن الرئيس الأميركي «دونالد ترمب» يحاول تصوير نفسه على أنه رجل متقلب المزاج لا يمكن توقعه وذلك لفرض نفوذه في المجتمع الدولي، فعلى سبيل المثال رأي مسؤول التحرير بصحيفة كيهان المتشددة «جعفر بلوري» في مقاله المنشور في 16 مايو 2019 أن الرؤساء الأميركيين يسعون إلى تحقيق أهدافهم السياسية في العالم من خلال نشر الخوف.

وفي هذا السياق يتبع «ترمب» دوماً هذه السياسة، حيث ذكر في لقاء سابق له مع أن عليهم إبلاغ الآخرين بأن ترمب رجل متقلب وحاد؛ حتى تخشاه الدول الأخرى. ويستشهد «بلوري» بما زعم أن السفيرة الأميركية السابقة في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، قالته في إحدى الاجتماعات من أن مهمتها هي إبراز أن ترمب رجل حاد الطباع ولا يمكن تصور ما سيقوم به؛ وذلك حتى يخشاه الآخرون.

استبعاد نشوب حرب:

سيطر تساؤل هل ستشن الولايات المتحدة هجوماً على إيران على غالبية الصحف الإيرانية بعد الترتيبات العسكرية الأميركية الأخيرة في المنطقة والتي تضمت واشنطن حاملة الطائرات «يو إس إس ابراهام لينكولن» والسفينة الحربية «يو إس إس ارلينجتون».

وفي هذا الإطار رأي الكاتب الإيراني «رضا حجت» في مقاله المنشور في 20 مايو 2019 بصحيفة «جوان» المتشددة التابعة للحرس الثوري الإيراني تحت عنوان «لماذا لا تقع الحرب؟» أنه من المتوقع ألا تقع حرب بين طهران وواشنطن، إذ رأي أن الرئيس «دونالد ترمب» لا يرغب أصلاً في الحرب، وأن واشنطن نفسها لن تكون في مأمن من عواقب تلك الحرب، فضلاً عن رفض الكونجرس والشعب الأميركي لها، وأكد «حجت» أن ترمب يرغب فقط في الترويج لنفسه في الداخل الأميركي، والحصول على مكاسب سياسية في الداخل الأميركي.

وأشار كذلك إلى مجموعة من العوامل الإقليمية التي تجعل خيار الحرب مستبعداً، حيث زعم حجت أن شعوب المنطقة ستقف إلى جانب إيران في حالة نشوب حرب بينها وبين الولايات المتحدة، مشيراً بشكل ضمني إلى ما يملكه النظام الإيراني من ميليشيات مسلحة في سوريا، العراق، اليمن، ولبنان.

ورأي أيضاً أن المشهد السياسي لن يؤد لنشوب حرب بين الولايات المتحدة وإيران، حيث ذكر نصاً: «فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تتمتع حالياً بقوة اقتصادية وعسكرية عظمى، إلا أن العالم منذ سنوات لا يستمع لأميركا». فالدول الأوروبية، وخاصة بريطانيا، لن يدعموا قيام حرب جديدة. بالإضافة إلى أن روسيا قد تدعمان إيران في ظل عدم رغبتهما في أن تكون الولايات المتحدة «صاحبة القول الفصل في العالم» على حد تعبير كاتب المقال.

ويتفق في هذا الرأي مسئول التحرير في صحيفة «جام جم» التابعة للإذاعة والتليفزيون الإيراني «محمد صادق عليزاده» حيث أشار في مقاله المنشور تحت عنوان «أين انتِ يا لنكولن؟! أين مكانِك؟» في 22 مايو 2019 أن حاملة الطائرات «لنكولن» تبعد حوالي 230 كيلومتراً عن السواحل الشرقية لسلطنة عمان في شمال بحر العرب أي أنها تبعد عن إيران بمسافة كبيرة. كما أنه، حسبما ذكر الكاتب، ينبغي لهذه القوات أن تتمتع بلوجستيات عالية وهو أمر غير موجود، فضلاً عن أن ترمب نفسه صرّح خلال الأيام القليلة الماضية أنه لا يرغب في حرب عسكرية.

ولم تختلف وجهة نظر المؤرخ الشهير وأستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة طهران «بيروز مجتهد زاده» في حواره مع صحيفة «آرمان امروز» حيث ذكر أن واشنطن لن تُقْدِم على شن حرب ضد إيران في ظل عدم وجود رغبة من الحزبين الجمهوري والديمقراطي بسبب «الذاكرة التاريخية» لهذه الأحزاب وما مروا به مسبقاً خلال الحروب التي خاضها الرئيس الأسبق «جورج بوش الابن».

تداعيات المواجهات المحتملة:

على الرغم من ذلك لم يستبعد بعض الخبراء الإيرانيين إمكانية إندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران في المستقبل بسبب «خطأ غير مقصود» أو غير ذلك من الأسباب، وحذر هؤلاء الخبراء من تداعيات هذه الحرب المحتملة والتي تتمثل فيما يلي:

1-تصاعد أعداد اللاجئين: أكد أستاذ العلوم السياسية في جامعة طهران ورئيس معهد دراسات أميركا الشمالية وأوروبا، «سيد محمد مرندي»، في حواره مع صحفية «وطن امروز» المحافظة في عددها الصادر في 21 مايو 2019 أن وقوع مثل هذه الحرب سيؤدي إلى أزمة اقتصادية في إيران، ونزوح وهجرة الملايين من اللاجئين من المنطقة إلى الغرب، فضلاً عن مواجهة الولايات المتحدة لحلفاء إيران في الإقليم.

2- تصعيد الميليشيات: مع اتفقت غالبية التحليلات أنه في حالة تعرض لطهران لخطر فأنه ستقوم بالرد على الولايات المتحدة في دول مثل العراق عن طريق ميليشاتها المسلحة، حيث انتقد الصحفي الإيراني بجريدة «كيهان» المتشددة، مجتبى باجلان، في مقال منشور في 23 مايو 2019 تحت عنوان «الحرب والتفاوض وجهان لعملة وهمية»، مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة خاصة الدخول فيها بشروط مسبقة. واستطرد الكاتب أنه منذ مجيء ترمب إلى البيت الأبيض عام 2017 دأب على فرض أمرين على إيران لا ثالث لهما وهو إما الحرب أو التفاوض. ورفض الكاتب خيار التفاوض حيث أن طهران تستطيع الضغط على الولايات المتحدة عن طريق مهاجمة القواعد والجنود الأميركيين في المنطقة، خاصة العراق، ولهذا زار وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، العاصمة العراقية بغداد، بشكل مفاجئ في محاولة منه لتأمين الجنود الأميركيين إذا ما اندلعت أي حرب.

وحذّر الكاتب واشنطن من عواقب الحرب مشيراً إلى تعيين قائد جديد للحرس الثوري، المصنف حديثاً كمنظمة إرهابية من قِبل واشنطن، وهو حسين سلامي بدلاً من محمد علي جعفري. وأشار الكاتب نصاً «ستكون الجماعات الموالية لإيران في سوريا، ولبنان، وفلسطين في مواجهة مع الولايات المتحدة»

ختاماً يمكن القول أن كافة المحللين والخبراء الإيرانيين من الجناحين المتشدد والإصلاحي يتفقون على استبعاد وقوع مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة، ويرون أن «ترمب» هدفه الرئيسي هو الضغط النفسي على صناع القرار في طهران لإجبارهم على التفاوض، ويحذر أغلبية المحللين من الإنجراف وراء رغبة ترمب والتفاوض معه حيث أنه سيجبر طهران على الرضوخ لشروط قاسية.