بعد ان حسمَت قوى إعلان الحرية والتغيير التي تقود الإنتفاضة الشعبية السودانية (البعض يُسميها.. ثورة), المتواصِلة للشهر الثالث على التوالي، حسَمت أمورها وقرّرت إعلان الإضراب العام والعصيان السياسي ليومين، بدءاً من اليوم الثلاثاء رغم المُعارَضة اللافتة التي أعلنها حزب الامة القومي بزعامة الصادق المهدي، وخصوصاً الإتحاد العُمالي العام، على نحو اثار استهجان الجمهور ودفع لاتهام المهدي بأنه يُمسك العصا من منتصفها، تبدو الأمور في طريقها الى التأزّم بين المجلس العسكري الانتقالي المُمسك بالسلطة والقرار، وقوى إعلان الحرية والتغيير التي لجأت الى خطوة تصعيدية كهذه، بعد وصول المفاوضات بينهما الى طريق مسدود، وتحديداً إزاء نظرة كل منهما الى «مجلس السيادة» وبخاصة الخلاف العميق حول رئاسة المجلس.

إذ أصرّت قوى الحرية والتغيير على رئاسة «مَدنِية» لهذا الموقع، فيما تمسّك المجلس العسكري بشدة بأن يكون رئيسه هو الفريق عبدالفتاح البرهان رئيس المجلس العسكري.

العلاقة بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري لن تكون بعد إضراب/عِصيان 28 و29 أيّار, وبخاصة اذا ما نجحَت المعارضة في استقطاب المزيد من الجمهور والرافضين لموقف الإتحاد العمالي من النقابات العمالية والمهنية، وشرائح مختلفة من الموظفين والعمال والمستخدمين، فضلا عن القطاع الطلابي وباقي منظمات المجتمع المدني، وتجاوزَت مقاطعة حزب الامة القومي الذي عارضها، لن تكون كما كانت قبل ذلك. كون المجلس العسكري الذي بدأ رئيسه البرهان ونائبه او الرجل القوي في المجلس جنرال قوات التدخل السريع محمد حمدان دقلو، زيارات رسمية الى دول عربية، أنكرَت عليهما قوى الحرية والتغيير «حقّهما» في ذلك، كونهما لا يُمثِّلان السودان رسميا ولا يتمتعان بحيثية سياسية، لإجراء محادثات وتوقيع اتفاقيات أو التوصّل إلى تفاهمات بدون تفويض شعبِي.

نقول: كون المجلس العسكري سيرى في الإضراب/العصيان محاولة لتغيير دوره وسلب الصلاحيات التي منحها لنفسه بعد «اقتلاعه» نظام البشير، وهو أمر بدأت قوى مُعارِضة تُشكِك فيه، بل وتتهم المجلس بانه يريد إعادة إنتاج النظام السابق، ولكن بوجوه جديدة وفي إطار السياسات التي انتهجَها نظام البشير والتحالفات ذاتها التي أقامَها.

ما يثير المخاوف من تداعيات الإضراب، المُرشّح -وفق التوقّعات- ان يكون شاملاً ومحرجاً للمجلس العسكري، هو لجوء الأخير الى استنهاض قوى وتشكيلات حزبية مُضادة او مُعادِية لقوى الحرية والتغيير، كما يمكن للمواجَهة مع المجلس العسكري ان تأخذ طابعاً اكثر عُنفاً، اذا ما مضى نائب رئيس المجلس (الملقّب...حميدتي) قُدما في تنفيذ تهديده بـ «فَصْل» المُضربين عن العمل. ما يُؤشّر الى احتمالات الإنزلاق الى العنف، بكل ما يمثله ذلك من فُرصة لقوى الثورة المضادة للإنقضاض على الحراك الشعبي، والتأسيس لعسكرة الإنتفاضة واستدراجها نحو مربع «الحرْب الأهليّة».

وهنا يكمن الخطر واحتمالات فشل «الثورة» وانتصار قوى الثورة المضادة الظلامية.

kharroub@jpf.com.jo