عمان - سناء الشوبكي

لم تكن الصرخة التي أطلقها الشاب «ع.م» ضد ثقافة العيب الوحيدة لشاب أردني ضد هذه الثقافة.

«ع.م» يعتب على والده الذي رسّخ فيه التوجه نحو الوظيفة المكتبية فقط.

هذا العام يكون قد مضى اكثر من اربع سنوات على تخرج «ع.م» من دون ان يجد وظيفة في اختصاصه «الصيدلة».

عندما تسأله لِمَ اذن لا تعمل في مهنة أخرى يشير لك الى والديه اللذين يصرّان ان يعمل في مهنته «الصيدلة».

يعترف «ع.م» والدي واقعان في شرك «ثقافة العيب».

ويشارك هذا الشاب في الرأي «ر.ع» الذي درس الهندسة الصناعية وما زال ينتظر الوظيفة منذ 8 سنوات قعد خلالها من دون عمل في منزل والديه اللذين يعملان على ان يشتغل في مجال الهندسة.

يقول: في وقتنا الحالي لا توجد وظائف في الهندسة، ورغم توافر عمل لي كميكانيكي إلا ان والدي رفض تماما العمل في هذه المهنة وذلك لنظرة المجتمع لثقافة العيب.

بينما رفضت «فاطمة» - اسم مستعار - وظيفة سائق لابنها في احدى المؤسسات الخاصة وتقول هذه الأعمال هي ظاهرة يرفضها المجتمع ولا تتناسب مع العادات والتقاليد.

حتى أنها تشدد «يظل ابني في صفوف البطالة اهون من ان يعمل بوظيفة لا تناسب مؤهلاته العلمية».

يلوم نفسه

وفي المقابل يلوم والد «راشد» نفسه بعد تخرج ابنه من الجامعة بتخصص علوم سياسية منذ عشر سنوات.

ويقول «التجربة علمتني اهمية ان يتخطى كل الآباء هذه الافة؛ «ثقافة العيب» ونزرع في اولادنا حب العمل مهما كان».

ويضيف «الوم نفسي انني لم اترك ابني يعمل في اي عمل او مهنة الا في وظيفة حكومية تناسب شهادته ومجتمعه الا اننا نعيش في حالة نرفض العمل ونحتاج القرش».

أرقام صادمة

وتلقي ثقافة العيب أعباء كبيرة على المجتمع والأفراد لتضعهما كليهما في خانة ارتفاع معدلات البطالة.

ويرى الخبير الاقتصادي حسام عايش ان إحجام الافراد عن القيام بوظائف ومهن معينة بسبب سيطرة ثقافة العيب عليهم ادى الى استحواذ الوافدين على المهن وبالتالي ارتفعت نسبة البطالة بين افراد المجتمع.

وتشير الأرقام الرسمية إلى معدلات البطالة وصلت إلى 18.7% في الأردن. فيما يبلغ إجمالي العمالة الوافدة في المملكة، سواء التي تحمل تصريحاً أو المخالفة لقانون العمل، نحو مليون شخص تقريباً.

«كابوس على الشباب»

أستاذ علم الاجتماع الدكتور هاشم الطويل يرى أن ظاهرة ثقافة العيب تشكل كابوساً على المجتمع الاردني وكذلك لدى العديد من الشباب.

ويقول: منذ عقود مضت وبالتحديد في سبعينيات القرن الماضي بدأت البطالة السلوكية في الظهور في المجتمع، مشيرا الى انها ظاهرة اجتماعية مؤرقة مرتبطة ومتداخلة مع ثقافة العيب.

ويشير إلى ان ثقافة العيب تعني عدم الاقبال والرغبة بالقيام باعمال متدنية الاجر او لا تراعي المظهر الاجتماعي السائد.

ويتابع «فهي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية التي يرفض فيها افراد المجتمع قبول عمل لا يتناسب مع المفاهيم السائدة كقبول العمل المهني او الميداني مقابل العمل المكتبي».

ويلفت إلى أن ثقافة العيب قد تكون فردية أو اجتماعية فهي سائدة للاسف بين الفئة المتعلمة والمثقفة في المجتمع تجاه العمل وانواعه.

ويقول: اذا كانت جموع الشباب المثقف في المجتمع لاتزال متمسكة بهذا المنطق فكيف يمكن ان نلوم فئات المجتمع الاخرى، كما نجد فئة من الشباب يرفضون فكرة الالتحاق باي عمل يكون اقل من مستواهم التعليمي او لا يتناسب مع البيئة التي يعيشون فيها، بل ويفضل معظمهم البقاء في المنزل على العمل باي مهنة قد تؤدي الى التقليل من شأنهم الاجتماعي امام اصدقائهم او الناس المحيطين بهم, ما ينتج عن ذلك تعزيز هذه الثقافة بشكل ملحوظ.

وينوه الطويل الى اسباب شيوع ظاهرة «ثقافة العيب»، والتي تقف على رأسها التنشئة الاجتماعية التي يتشربها الشباب من المؤسسة الاسرية، والنظرة السلبية للمهن غير المكتبية وللعاملين فيها و البيئة الاجتماعية المحيطة للفرد ولاسرته في الوقت نفسه والنقص التشريعي والاداري في تسمية العديد من المهن التي ليس لها وصف وظيفي منمق حقيقي.

«الثالوث المعقد»

ويشير الطويل الى ضرورة التنسيق التنظيمي والقانوني والنفسي ما بين مكونات «الثالوث المعقد» (الحكومة وصاحب العمل أو القطاع الخاص وطالب العمل).

ويوضح ان القضية مرتبطة اشد الارتباط بظروف العمل ومدى التزام المشتغلين بالحقوق المالية والوظيفية للعامل ودور الجهات الحكومية في متابعة (والزام) صاحب العمل بالتقيد بذالك.

ويلفت الى ان هناك ارتباطاً وثيقاً بين ثقافة العيب وتفشي البطالة في المجتمع, ناهيك عن العمالة الوافدة غير المنظمة بل الفوضوية.

ويرى الطويل ان الحلول تتلاشى اذا كان العمل المرفوض يوفر الدخل المناسب ويتماشى مع القوانين والانظمة، إضافة الى ضرورة مواءمة مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية وعدم اللجوء للواسطة وعدم القبول بها من الجهات ذات العلاقة.

النمط التسلطي

استاذ علم النفس والاجتماع د.محمود الخوالدة يرى أن الطقوس والموروث الديني والتاريخي تتدخل في ثقافة العيب التي تجبر الاشخاص على الامتناع عن القيام بأي سلوك مخضعين هذا السلوك الى معيار المقارنة مع الآخر.

هذه الثقافة، يضيف الخوالدة، شكلت فارقاً طبقياً بين المجتمع الواحد وبالتالي اصبحت بعض الفئات الاجتماعية تتحاشى كثيراً من المهن نتيجة الخوف الاجتماعي.

ويشير إلى أن ثقافة العيب تتبنى النمط التربوي التسلطي الذي يعني عدم الاستماع للآخر وبالتالي هو نمط محوري ديكتاتوري واضح المعالم في المجتمعات العربية.

تحول اجتماعي

وينوه بالتحول الاجتماعي ومحاولة وسائل الاعلام نقل المجتمعات العربية من التمركز حول ثقافة العيب الى الانفتاح وقبول الآخر والشفافية والالتماس للآخر عذرا محاولا اعطاء الانسان جزءاً من الكينونة والفردية.

ويؤكد في السياق أهمية دور الاسرة في تعليم اولادها النمط الديمقراطي الذي يركز على الحوار وتكريس القيم الاجتماعية وابرزها الرقابة الذاتية للابتعاد عن فكرة ثقافة العيب.

اما عن فكرة تأثير الثقافة على المجتمع فيشدد د.الخوالدة على انها تحمل عواقب نفسية على الفرد من جهة وعلى الحياة الاقتصادية من جهة اخرى ما يفاقم مشكلة البطالة، فهي تحمّل الفرد عواقب نفسية تتمثل في الانطواء والخجل الزائد والقهر وحرمانه من مهارات الجذب الاجتماعي والتواصل.

«موروثات اجتماعية»

ومن جهته يرى الاستشاري النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة أن الثقافة موروث اعتاد عليه الناس وتوارثوه عبر اجيال مختلفة فاصبحت ثقافة لديهم مثلا «ثقافة العيب».

ويفصّل: العيب من عمل معين اكتسبه الشباب من العائلة وبالتالي اصبح قرار مجتمع فعاب بعض المهن حيث اصبحت من يشغلها يكون في مستوى غير لائق اجتماعياً.

ويقول: هي ثقافة توارثها المجتمع وفي كثير من القضايا الاجتماعية موروثات ثقافية عفا عليها الزمن وبحاجة للتغيير والتطوير والتحديث حسب المتغيرات التي اصابت المجتمع ورافقته واصبح التغير ضرورة لمعالجة كثير من المشكلات الاجتماعية والاختلالات التي احدثت شرخاً في المجتمع ونجد من بينها ظواهر اجتماعية خطيرة.

ما الحل؟

يطالب عايش بإيجاد حلول لتفادي مشكلة البطالة التي ساعدت ثقافة العيب على انتشارها وايجاد فرص عمل للشباب سواء عن طريق تشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أو تمويل المشاريع الصغيرة، مقترحاً عقد اتفاقيات عمل دولية بين الاردن ودول الجوار ودول الخليج لتشغيل الشباب واستثمار مواردنا البشرية.

ويشيد بانخراط بعض الشباب بالمهن التي كانت غير مقبولة سابقا متخطين ثقافة العيب بسبب سوء الاوضاع المعيشية وتردي او فقدان الدخل.

ويعتبر ان ثقافة العيب في «طريقها للتغيير او ربما للزوال»، معللاً ذلك «بدور الجانب الاقتصادي وارتفاع الاسعار وانخفاض وفقدان الدخل».