لقد كان الاعتداء على الطبيبة روان في الشهر الماضي مجرد عنوان لفصل آخر من فصول القصة الطويلة التي تروي ما لحق بسمعة خدماتنا الصحية الحكومية من تشويه مقصود تمهيداً لهدف آخر! ولقد غطى تقرير الصحافي حاتم العبادي في $ 20 أيار الجاري جزءاً من المشكلة وبعض الأسباب الكامنة وراء العنف المتكرر ضد الكوادر الطبية وازدياده في السنوات الأخيرة ولفتَ النظر إلى (خلل في التوازن بين الحق في الخدمة الصحية الملائمة للمواطن وبين العمل في بيئة لائقة وآمنة للطبيب) فمنذ عام 2016 حتى نهاية 2018 بلغ عدد الاعتداءات 106 معظمها في مستشفيات «الصحة» التي تستقبل سنوياً ما يفوق 3,5 مليون مراجع !

ولمزيد من الاستقصاء قمت قبل أيام بزيارة قسم الاسعاف والطوارئ في مستشفى البشير فذكر لي مسؤولوه أن اكثر من مليوني مراجع هم من نصيب هذا القسم وعيادات الاختصاص وشرحوا لي ما يسببه عددهم الكبير من اختناقات في خدمات مستشفىً أعرف جيداً بداياته عام 1956 حين كان العمل في فضاءاته الواسعة نزهة جميلة وأصبح اليوم أكواماً من الابنية العشوائية المتراكمة بلا تخطيط سليم.

عن مكافحة ظاهرة الاعتداءات المؤسفة قال التقرير الصحفي «أن وزارة الصحة ونقابة الاطباء ووزارة الداخلية والأمن العام قامت ببحث أسبابها لكن البحث لم يتجاوز القشور فجاءت التوصيات أَمنيّة بتعديل التشريعات لتوفير الحماية للكوادر وتغليظ العقوبة على المعتدين لكنها لم تكن ذات أثر في تطويق الظاهرة فليس من الممكن مثلاً وضع رجل أمن لكل مريض او مرافق !»، كما تعرّض التقرير للأبعاد الاجتماعية لهذه الظاهرة كالتراخي في الالتزام بالقيم ومحاولة لفلفة القضايا عشائرياً، أما الأبعاد الاقتصادية فلم يربطها بنظام السوق ونوايا البنك الدولي نحو الخصخصة! وهنا أرى من واجبي أن أضيف أن هذه الظاهرة المنعدمة تقريباً في مستشفيات القطاع الخاص قد تفاقمت في مستشفيات الحكومة منذ تخلت «الصحة» عن الالتزام بمبادئ الرعاية الصحية الاولية كإهمال المراكز الصحية وعدم تطويرها وبدلاً من ذلك الانغماس في سياسة الترضية بإنشاء المستشفيات باهظة التكاليف التي تبتلع الجزء الأكبر من ميزانيتها حتى لا يبقى فيها ما يكفي مثلاً لإرسال الأطباء في بعثات ثم تشكو من نقص كوادرها المتخصصة المرهقة أصلاً بحجم العمل الكبير ما يؤدي إلى معاناة مرضاها وازدياد وتيرة شكواهم.

كما أن الوزارة تهاونت في تطبيق نظامها التحويلي الذي أقرته عام 1986 ويبدأ بالمركز الصحي الاولي فالشامل ثم مستشفى المنطقة، فبتطبيقه تنتفي الحاجة لما يسمى بعيادات الاختصاص في المستشفيات التي ثبت انها بمراجعيها ومرافقيهم تتسبب بمشكلة الازدحام الشديد والضغط الهائل على كوادرها فكيف لا نتوقع بعد ذلك حدوث التوتر والعنف والصدام !

وبعد.. فالحل إذن في يد وزارة الصحة لا في يد وزارة الداخلية لكنني لست متفائلاً بأنها سوف ترحب بما ذهبت إليه وما اقترحته!