البترا - زياد الطويسي

«كنا نلتف حول أمي وهي تخبز على الصاج.. رائحة الخبز تملأ الحي، فيما تشاهد الأطفال يحملون أطباق الطعام إلى بيوت جيرانهم، حين كانت الأسر تتبادل أصناف الطعام فيما بينها.. كنا نخرج لباحات البيوت وعيوننا صوب المسجد لنسمع صوت آذان المغرب..».

هكذا يصف حسين الهلالات مشهد رمضان قديما قبل موعد الافطار في وادي موسى حاضنة البترا، فهو صورة جميلة ما زالت راسخة في الذاكرة، ويستعيدها كلما حنّ للماضي الجميل ومحطاته.

يقول الهلالات: «كانت أيام خير وبركة وألفة ومحبة، فرمضان في سبعينيات القرن الماضي، كان بعيدا عن تعقيدات الحياة المعاصرة ومتاعبها..».

ويضيف: «كانت الأسر في الحي تتشارك في إعداد الخبز والطعام، وحينما تنتهي فترة الغروب نصلي، ونجتمع معا حول المعمرين ليقصوا لنا حكايا وذكريات ماضيهم.. كيف كانوا يصومون الشهر وهم في موسم الحصاد، وكيف كانوا يصوموا وقت السفر على الجمال والدواب..».

وبحسب الهلالات، فإن رمضان في ذلك الحين، كان بسيطا وتكمن جمالياته في تجمع أسر الحي في منزل واحد كل ليلة للسهر، فلا فضائيات تتعدد فيها البرامج والمسلسلات، ولا هواتف تلهي الجيل عن حكايا وقصص المعمرين الجميلة.

وتبين الحاجة أم موسى، أن جماليات رمضان في ستينيات القرن الماضي كانت تكمن أيضا في بساطته، وقرب الناس من بعضهم البعض، وأنه كان شهر يغلب عليه الطابع الاجتماعي وتبادل الزيارات وتفقد أحوال الناس.

وتشير أم موسى، إلى أن رمضان كان شهرا جميلا ومميزا في حياة الأجيال، فالنساء يعلمن أبناءهن الصوم، وتكون الجائزة لمن يكمل يوم صومه، ما يخبئه لرمضان من القطين والمشمش المجفف والقلية، وهي القمح المحمص ويخلط معها أحيانا البطم..

وتعد أكلات الافطار في رمضان بسيطة ولذيذة وهي نتاج الأرض والنساء، وأغلبها أكلات يستخدم فيها الخبز البلدي واللبن والسمن والزيت والقمح والعدس، كالجريشة والرشوف والمدقوقة والمجللة والرقاقة وغيرها..

وتوضح أن حلوى شهر رمضان كانت تعد أيضا من الخبز الذي يسمى بـ«الخبز الفطاري» وهو خبز يوضع عليه الملح بكمية قليلة، ويتم انتاج الأكلات الأشبه بالحلوى منه، كالفطيرة واللزاقيات.

وفي رمضان قديما كانت تعقد حلقات الذكر والعلم في مساجد البلدات والأحياء، فيستذكر محمود النصرات جلسات الرجال في مسجد الحي وحكايا الشيخ وقصصه عن سيرة النبي والصحابة والصالحين.

يقول النصرات: كان شيخ المسجد يقص علينا في كل ليلة حكاية من رحاب الاسلام ومحطاته، وكنا حينما نعود إلى منازلنا نروي هذه الحكايات لأسرنا.

ولوداع رمضان طقوس خاصة في المساجد قديما، إذ كان الناس وفقا للنصرات، يجتمعون حول شيخ المسجد ويرددون أناشيد وابتهالات خاصة في وداع شهر الخير، ومنها أنشودة: «لا أوحش الله منك يا رمضان.. يا شهر التوبة والغفران..».

يذكر أن لوداع رمضان وحشة وحزن، حتى أن بعض النساء المسنات في وادي موسى، كن يبكين لوداع شهر الخير والرحمة.