يترقّب العالم بعد انقضاء شهر رمضان الإعلان عن خطة جارد كوشنر للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهي الخطة التي باتت معروفة لدى الجميع قبل الإعلان الرسمي عن فحواها، فالتسريبات كافية لبناء صورة تقريبية عن ماهية الخطة الأميركية، والغايات التي تسعى إلى تحقيقها، إذ تقوم الخطة على تطبيع العلاقات العربية–الإسرائيلية كشرط ضروري لتهميش القضية الفلسطينية، عبر خلق مناخ سياسي إقليمي يضمن علاقات عربية - إسرائيلية دافئة، تستوعب الجانب الفلسطيني، وتمارس عليه قدر كاف من الضغوط لقبول الطرح الأميركي الذي يقوم على التعاون والتكامل الاقتصادي، عبر حزمة من المزايا الاقتصادية والاستثمارات الأميركية والخليجية، وتجاهل مسلمات القضية الفلسطينية كأنها غير قائمة، وتجاوز جوهر الصراع الأساسي، المتمثل بالاحتلال الإسرائيلي، وإنكار حق الشعب الفلسطيني في العودة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أرضه، عاصمتها القدس.

في حقيقة الأمر لقد بدأ تنفيذ الخطة التي تقوم على التخلي عن قضايا الوضع النهائي (وهي القدس، والمستوطنات، والحدود، واللاجئين، والمياه) مسبقًا، ومن دون مفاوضات، بإخراج القدس من دائرة التفاوض؛ وذلك عندما اعترفت إدارة ترمب، في 6 ديسمبر 2017، بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل السفارة الأميركية إليها من تل أبيب في الذكرى السبعين لإعلان قيام إسرائيل، وبدلًا من السعي إلى إحياء المفاوضات وفق المرجعيات الدولية المعروفة، وفي مقدمتها قرارات الأمم المتحدة المتصلة بالأرض والموارد واللاجئين، تركز الخطة على «السلام الاقتصادي»، وكما قال السفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دانيال كورتزر، في مقال صدر مؤخراً، إن الخطة هي خدعة وهمية. ففي حين يركّز العالم أنظاره على خطة كوشنر، بعيداً عن العمل بذاته، تتقدّم السياسة الأميركية بخطوات أحادية تصبّ في مصلحة إسرائيل وتقوّض موقف الفلسطينيين إلى حدّ كبير، ناسفةً في الوقت عينه احتمال حل الدولتين. وعندما سيعرض كوشنر في نهاية المطاف اقتراحه، سيتمثّل هدفه الأول ببساطة بترسيخ هذه المكاسب الإسرائيلية.

لم تعد خطة ترمب ــ كوشنر للسلام خفية، فخلال حديث كوشنر أمام معهد واشنطن لسياسة الشرق في الثاني من أيار الحالي، كشف كوشنر النقاب عن نقطة أخرى محبطة حين أشار إلى أن خطته لن تأتي على ذكر حل الدولتين، حيث توجّه كوشنر للحضور قائلاً: «إن قلتم «دولتين»، فهذا يعني شيئاً للإسرائيليين، وشيئاً آخر للفلسطينيين»، وتابع «قلنا: أتعلمون، دعونا لا نستخدم هذه العبارة بل نكتفي بالقول فلنعمل على تفاصيل ما قد يعنيه ذلك»، وبحسب روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لقد كان من المستغرب ألا يتطرّق صهر الرئيس الأميركي إلى معنى حل الدولتين بالنسبة إلى الولايات المتحدة، وهي الدولة التي تعرض خطته للسلام في نهاية المطاف، والتي بدت أنها كانت قبل بضع سنوات تملك فكرة واضحة نسبياً حول معنى هذه الكلمة.

الخطة الأميركية للسلام المسماة «صفقة القرن» لا تمت إلى السلام بصلة، بل هي وصفة للحرب، وقد تم تحضير المنطقة كمسرح للعمليات منذ قدوم ترامب بتحويل إسرائيل إلى صديق وإيران إلى عدو المنطقة الأوحد، حيث تصاعدت الخطوات الأميركية مع الانسحاب من الاتفاق النووي وصولا إلى تصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية، وبعيدا عن الدوافع الأميركية المعلنة التي تتمثل بهدف «تغيير سلوك إيران الإقليمي»، فإن الأهداف الاستراتيجية تقع في صلب تصورات إدارة ترمب ورؤية إدارته للشرق الأوسط، طبقا لمبادئ وثيقة الأمن القومي التي نصت على جوهر «صفقة القرن» وذرائعها، فبحسب الوثيقة «على مدار عقود كان الحديث عن أن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو المحور الأساسي الذي منع تحقيق السلام في المنطقة، إلا أن اليوم يتضح أن التطرف الإرهابي الإسلامي الآتي من إيران قادنا لندرك أن إسرائيل ليست مصدرا للنزاع في الشرق الأوسط، وأن دولا أظهرت إمكانيات التعاون المشترك مع إسرائيل لمواجهة التهديدات الإيرانية»، فالاستراتيجية الأميركية لفهم طبيعة المخاطر في الشرق الأوسط تشير إلى أن واشنطن ترى أن ثمة خطرين في المنطقة: الأول هو التنظيمات الإرهابية، والثاني هو إيران، وقد تخلت عن فكرة أن السبب الرئيسي للأزمات هو الصراع العربي الإسرائيلي، كما تخلت عن فكرة إدخال الديمقراطية إلى بلدان العالم العربي.

من الواضح أن الخطة التي أعدّها كوشنر، بالاشتراك مع الممثل الخاص للرئيس دونالد ترامب في المفاوضات الدولية، جايسون غرينبلات والسفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان، هي نسخة معدّلة لخطة الحكم الذاتي التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن في أيار من العام 1979. حسب مايكل يونغ، فهذه الخطة، كما هو معروف، منحت الفلسطينيين حكماً ذاتياً محدوداً في الأراضي المحتلة، إنما رفضت منحهم دولة. كما سعى بيغن إلى فرض سيادة إسرائيل على الأراضي المحتلة وتخويلها مهمة مراقبة الأمن فيها. وبموجب الخطة، سيُطبّق القانون الإسرائيلي في مناطق المستوطنات اليهودية، ما ينشئ بفعالية نظامين قانونيين متوازيين منفصلين وحتماً غير متساويين، أحدهما للعرب والآخر لليهود.

يرى الكاتب إيشان ثارور في مقال تحليلي بصحيفة واشنطن بوست أن «خطة ترمب- كوشنر للسلام تبدو منكوبة بالفعل»، وأشار إلى ما كشفته إدارة الرئيس دونالد ترمب عن أول تحرك مهم لها في خطة لصياغة سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين عبر ندوة اقتصادية لمدة يومين في البحرين الشهر المقبل، حيث سيكشف المسؤولون الأميركيون عن المزيد من خطتهم لحل المأزق المستمر منذ عقود ومن خلال جمع عشرات المليارات من الدولارات للاستثمار في الأراضي المحتلة، وأشار الكاتب إلى اعتقاد جاريد كوشنر صهر الرئيس ترمب ووسيط السلام المعين من البيت الأبيض بأن العمل على تحسين سبل عيش الفلسطينيين وتنمية المشاريع الفلسطينية ينبغي أن تكون له الأسبقية على الحلول السياسية. ثمة قناعة شائعة أن مصير خطة كوشنر الفشل، فحسب جيرمي بن عامي رئيس مؤسسة جيه ستريت - وهي منظمة ليبرالية مؤيدة لإسرائيل في واشنطن - إن «محاولة كوشنر إيجاد حل اقتصادي لهذا الصراع السياسي الطويل الأمد مآلها الفشل، وهي تنطوي على خطر تمهيد الطريق لخطوات كارثية، مثل الضم الرسمي الذي من شأنه أن يقوض أي جهود مستقبلية للتوصل إلى سلام دائم»، لكن كوشنر وفريقه يدركون أن هذه التمثيلية لن تنطلي على الكثيرين حسب مايكل يونغ، إلا أنها ستبدّل حتماً أسس المقاربة الأميركية للقضية الفلسطينية-الإسرائيلية، ما سيرغم الرؤساء المستقبليين على مجاراة خطوات ترمب أو المخاطرة بردّ فعل ساخط من حلفاء إسرائيل. هذا ما جاء على لسان كوشنر في معهد واشنطن، حيث أشار إلى أنه في حين قد لا يجلب السلام إلى الشرق الأوسط، إلا أنه أراد على الأقل «تغيير المناقشات» حوله.

إن «تغيير النقاشات» تجري على قدم وساق، بهدف إعادة بناء الشرق الأوسط عبر مدخل الإرهاب، وفق تطبيقات مشروع «صفقة القرن»، التي تقوم على تصفية القضية الفلسطينية وإدماج المستعمرة الاستيطانية الإسرائيلية في نسيج المنطقة العربية الإسلامية من خلال تأسيس تحالف أميركي عربي إسرائيلي (ناتو عربي) تحت ذريعة مواجهة خطر مشترك أختزل بالمنظمات «الإرهابية» والجمهورية «الإيرانية».

يبدو نهج الإدارة الأميركية في عهد ترمب راديكاليا وداروينيا، فهو يمجد القوة بمعناها العسكري والاقتصادي، وهو يستثمر في القوة العسكرية لتحقيق مكاسب اقتصادية، حيث يتحول الاقتصاد إلى أداة للحرب، وقد تنامت عسكرة السياسة الخارجية الأميركية في عهده، فالخطوط الأساسية لعقيدته للأمن القومي كشفت عن نزعة عسكرية إمبريالية من خلال أطروحة «أميركا أولا» ومبدأ «السلام بالقوة»، ولا يكل ترمب منذ ترشحه عن الإفصاح عن إعجابه بالجنرالات وازدرائه للدبلوماسيين، فالنظام العولمي الأميركي يقوم بصورة أساسية على مبدأ تفوق القوة العسكرية، فالإمبريالية الأميركية كقوة تسلطية عولمية عنيفة تشبه «عراب المافيا» إلا أنها أشد قسوة وأوسع انتشارا وأبلغ أثرا، ولا جدال أن ترمب مفتون بنموذج العراب.

خلاصة القول أن خطة كوشنر للسلام، أو ما تسمّى «صفقة القرن» لا تعد خطة للسلام، بل وصفة للحرب بطرائق عدة، حيث تتجاهل أن أحد أهم أسباب العنف والحرب في المنطقة هي إسرائيل ذاتها، بوجودها كدولة احتلال أولا وبممارساتها العدوانية الاعتيادية اليومية، والخطة الأميركية المتماهية مع الرؤية الإسرائيلية تتعامل مع الشعب الفلسطيني باعتباره مجرد آلات إقتصادية لا تعرف معنى الكرامة والعدالة والحرية، حيث يمكن فرض وجهة نظر مفادها بأنه لا توجد قضية وطنية فلسطينية، بل مجرد قضايا إنسانية معيشية، فالحل في جوهره يقوم على «السلام الاقتصادي»، حيث تساهم دول خليجية في دفع تكلفة هذا السلام الذي يقود إلى دمج إسرائيل في المنطقة، وتطبيع العلاقات معها، في ظل تجاهلٍ كاملٍ للحقوق السياسية للشعب الفلسطيني، والالتفاف على جوهر الصراع الأساسي، وهو الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية.