ما بين ثقافة الشتم، والهجوم والتجريح بدلا من النقد، والتسليم بكل ما تحمله وسائل التواصل الاجتماعي وتتناقله، وتكثيف الإحساس بنظرية المؤامرة، ثمة قناعة بأن الشارع يعاني من حالة فوضى يمكن وصفها بأنها غريبة، وتهدد كيان المجتمع.

اللافت هنا أن البعض يحاول استغلال ما يجري من خلال تبسيط الحالة، وتوظيفها ضمن ما يعتقد أنه في مصاف «من يعلمون ببواطن الأمور»، بينما يوظفها البعض الاخر ضمن ما يعتقد أنه خدمة لمصلحة شخصية ضيقة.

مثال ذلك، أن البعض ممن يدعون بأنهم من الفئة السياسية في المجتمع، ينقلون بعض الشائعات المتداولة في «السوشيال ميديا» على أساس أنها حقائق. وفي الوقت نفسه هناك من يسخر وسائل التواصل لنقل معلومات مختلقة مع أنها لا تصمد أمام أبسط أنواع التمحيص.

وعندما تسأل عن مصدر معلومة يجري تداولها من قبل أشخاص يسمون أنفسهم «سياسيين» أو «إعلاميين» يكون الجواب » هكذا جاءتني.. بمعنى أنه إما لم يكلف نفسه عناء تمحيصها، أو أنه يحاول استغلال الحالة العامة متوهما أن ذلك يخدمه شخصيا.

واللافت هنا أن أحدا من هؤلاء الذين يتصدرون المشهد لا يفكر بفداحة الجرم الذي يرتكبه، ويعتقد ـ للحظة ـ أنه أخرج نفسه من المسؤولية بمجرد أنه قال «هكذا وصلتني».

وتطور سوء الحالة إلى الدرجة التي بات البعض يرى أن من حقه إصدار احكام قد ترتقي في خطورتها إلى مستوى «الخيانة العظمى» بحكم تأثيرها السلبي على الوطن ككل. وأصبح آخرون ينقلون ذلك الموقف السلبي الذي يتقاطع مع كل ما هو شعبي ورسمي على أساس أنه هو الموقف الحقيقي للدولة.

بالطبع هناك عناصر عديدة أسهمت في الوصول إلى هذه الحالة، وإلى هذا المستوى الإشكالي. أبرزها الممارسات الرسمية المتراكمة للحكومات والتي أوصلت الثقة إلى هذا المستوى من الغياب، وعلى كل الأصعدة. ومنها العملية التعليمية التي تغيرت مساراتها فابتعدت عن التربية والتعليم معا، ومنها الفساد الذي تجذر حتى أصبح حالة.

فكل مسؤول تحول إلى متهم، وكل من يدعو للعقلانية في النقاش وفي إصدار الأحكام إلى «سحيج». وكل من يشير إلى قدر من الإيجابية أو إلى ضوء في نهاية النفق إلى صاحب مصلحة، أو «متنفع».

وهناك الكثير الكثير من العناصر التي كانت من بين أسباب تلك الحالة، التي لم تعد تسر صديقا. والتي تحتاج إلى معالجة جذرية، بعيدا عن الارتجال، وعن البرامج والمصالح السياسية. هنا تقفز إلى واجهة الأولويات أن تعالج الحكومة أبرز الملفات التي يمكنها تطوير الحياة السياسية. وعلى رأسها الأحزاب والبرلمان.

Ahmad.h.alhusban@gmail.com

فالحاجة باتت ملحة إلى تطوير الحياة الحزبية بحيث تنهض الأحزاب من واقعها الهش، وتتطور برامجيا، وتنتشر شعبيا.

والحاجة ملحة أيضا لقانون انتخاب يعطي الدفعة القوية للأحزاب ببرامجها لتتصدر للعمل البرلماني كواجهة للعمل السياسي.