كتب المحرر السياسي

بإعلانه عدم وجود اي مطامع او اطماع شخصية له لتولي السلطة او الاستيلاء على الحكم، وضع قائد الجيش الجزائري الفريق احمد قايد صالح اطراف الحِراك الشعبي وأطياف المعارضة الجزائرية التي تعاني اعراض الامراض المزمنة التي تفتك بالمعارَضات العربية, أمام منعطف يأخذ الطرفين (المؤسسة العسكرية والحِراك) الى منعطف جديد, ربما يكون ومع اقتراب الموعد الذي حدّده الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح لانتخاب رئيس جديد للجمهورية في الرابع من تموز المقبل...مُفترقاً حاسِماً.

وإذ بدت احزاب المعارضة التي «عادَت» معنية بالشأن السياسي, بعد ان لم يبرز من بين صفوف الحِراك شخصية او شخصيات او هيئة تمثيلية ذات صوت ونفوذ وقدرة تنظيمية, على النحو الذي تُقدمه قوى اعلان الحرية والتغيير في السودان, رغم محاولات المجلس العسكري الانتقالي السوداني التشكيك في صحة احتكارها تمثيل المعارضة, فراح يُغازل او يدفع فلول نظام البشير الحزبية والنقابية للانخراط في لعبة التصويب على قوى الحرية والتغيير, لدفعها الى تليين مواقفها وشروطها في شأن عضوية ورئاسة المجلس السيادي، فإن بعض قوى المعارضة الجزائرية وفي مقدمتها رئيس حزب طلائع الحريات/رئيس الوزراء الاسبق علي بن فليس, يقول: انه لم يُستوفَ اي شرط ضروري لاجراء الانتخابات الرئاسية في أفضل الظروف. وفي السياق الحالي – يُضيف – وفي غياب ادنى اتفاق حول التحضير للانتخابات وعلنية تنظيمها ومراقبتها، فان الرئاسيات في الاجل المحدد, هو امر بعيد بل وبعيد جدا على ان يكون الحل للازمة، بل تشكل مخاطر حقيقية تزيد الطين بلة. داعيا الى تأجيل الانتخابات من اجل السماح بعملية اجرائها اللاحق في ظروف اكثر قبولا واقل اعتراضا.

الهوة آخذة في الإتّساع بعد ان اعاد قائد الجيش الفريق صالح التأكيد على موقفه الداعي الى اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. حيث رأى ان الانتخابات هي المخرج الممكن الذي يتيح للشعب التعبير عن إرادته السَيّدة»، أما الحِراك فيواصل مطالبته بتنحي باقي رموز نظام بوتفليقة رافضاَ إشراف بن صالح (الرئيس المؤقت) وبدوي رئيس الحكومة على الانتخابات, التي يراها الفريق قايد صالح استحقاقا دستوريا عاجلا. كون عدم الذهاب الى انتخابات الرابع من تموز يضع البلاد في حالة فراغ دستوري بسبب انتهاء الفترة الرئاسية الانتقالية لبن صالح في التاسع من الشهر نفسه (تموز).

هل ثمة مَخرَج؟

يُسجّل لما يحدث في الجزائر والتطورات المتلاحقة التي حدثت منذ شباط الماضي, ان حراكها كان سِلميا وراقِيا, وان تعاطي المؤسسة العسكرية والأمنية كان حضاريا ولافتاً, في ما خص عدم السماح باي تدخّل خارجي تحت اي عنوان واي تبرير, سواء جاء من الكونغرس الاميركي او دول الجوار وبخاصة فرنسا والاتحاد الاوروبي, ما منحه المزيد من الثقة في نفسه وفي قدرته على معالجة الأمور, وفق إيقاع بات الان للاسف يواجه حالة من الاستعصاء, يتوجّب الخروج منها حتى بعد «التنازلات» التي قدمتها المؤسسة العسكرية عندما قامت باعتقال بعض رموز نظام بوتفليقة التي سبق للفريق قايد وصفها بـ«العصابة», حيث ما يزال يُحمِّلها مسؤولية بث الشائعات المغرضة حول شخصه وطموحاته الشخصية السياسية، عندما نفاها بشدة في خطابه الاخير يوم الثلاثاء الماضي, مُتهِما «ابواق العصابة» بإطلاق مزاعم وادعاءات بهذا الشأن, وبخاصة في شأن الملاحقات القضائية المتصلة بحملة مكافحة الفساد التي تم تحويل رجال اعمال محسوبين على نظام بوتفليقة للتحقيق, فضلا عن شقيق الرئيس السابق سعيد وجنرالين شهيرين قادا جهاز الاستخبارات الاقوى وصانع النجوم السياسي وهما الجنرال توفيق/مدّين وخليفته بشير طرطاق, فضلا عن رئيسيّ وزراء سابِقيْن ووزراء ورجال اعمال، ما اضفى جدية على دعوة الفريق قايد صالح, الذي يحاول -رغم تشكيك المعارضة وبعض ابواق العصابة على حدّ وصفِه, التشكيك في اعماله واتهامه بشراء الوقت حتى يبدو في النهاية مطلبا للجمهور, الذي ربما يُدركه التعب ويفضّل ان تتولى المؤسسة العسكرية الامساك بالأمور, الى حين استتاب الأوضاع, وإن كان هناك ما يزال يرى فيه قايد صالح نفسه ركنا اساسيا من نظام بوتفليقة. وهو -كما يقولون- ما كان ليتحرك ويطالب بتفعيل مواد الدستور التي تتحدث عن «الشغور الرئاسي» لولا الانباء التي وصَلته حول مساعي «العصابة» لإطاحته وإعفائه من منصبه, وإبقاء أمور الدولة في ايديها, حتى بعد استقالة بوتفليقة وتراجُعِه قبل ذلك عن الترشّح لعُهدَة جديدة.

هل يأتي «الإبراهيمي» بالحل المنشود؟

الاستعداد الذي أبداه وزير الخارجية الجزائري الاسبق احمد طالب الابراهيمي «ابن 87», بقبوله «مبدئيا» قيادة مرحلة انتقالية في البلاد بعد دعوات من الحراك الشعبي، يمكن ان تُشكل مَخرجا لائقا لاطراف الازمة, وتؤشر -اذا ما واصَل استعداده للقبول- الى بداية حل للاستعصاء الذي بات عليه المشهد الجزائري, وبخاصة ان لا اطماع سياسية لهذا «المجاهد» الذي انخرط في الثورة مبكرا، فضلا عما يعرف عنه من زهد «سياسي» وعدم ميل للدخول في مشاحنات ولعبة المحاور والاستقطابات، ناهيك عما ورد في البيان الذي اعلنه يوم الاربعاء الماضي, والذي قال فيه: انه لن يدَّخِر جهدا في وضع تجربته المتواضِعة (كما وصفها) تحت تصرّف كل من جعل شعاره, حب الوطن وخدمة الشعب. حتى ترجع السيادة لصاحب السيادة ومصدر السلطة وهو الشعب.

وإذ رأى الابراهيمي - وفق بيانه - ان الحل الأنجع هو الجمع بين المرتكزات الدستورية في المادتين السابعة والثامنة، وما يتّسِع التأويل فيهما (تنصّان على ان السيادة للشعب). ويجب -كما قال- دعمهما ببعض المواد الإجرائية التي تُساهم في نقل السلطة دستوريا، مضيفا: ان الحكمة تقتضي تغليب المشروعية الموضوعية على المشروعية الشكلية, انطلاقا من حق الشعب في التغيير المستمر، فالدستور من وَضعِ البشر، ولم يفت هذا السياسي المخضرم الذي قاد وزارة الخارجية في عهد الشاذلي بن جديد وترشح للرئاسة منافسا عبدالعزيز بوتفليقة, قبل ان ينسحب احتجاجا، مديح المؤسسة العسكرية التي قال: انها لعِبت دورا هاما في الحفاظ على سِلمية الحراك الشعب وتتّسِم بالإنضباط وتفادي التدخّل المباشر في الشأن العام, وإن كان دعاها في هذا الظرف الخاص, الى الإصغاء الى اقتراحات النُخَب وعُقلاء القوم.

خلاصة القول.. الى ان تَسمَعَ المؤسسة العسكرية وتصغي, الى اقتراحات النخب وعقلاء القوم كما دعا الابراهيمي الى ذلك, يمكن للمتابِع لما يجري في الجزائر, إنتظار ردود الفِعل على بيان الابراهيمي وموقف المؤسسة العسكرية منه, وبخاصة في شأن الإستحقاق الدستوري الماثِل, ونقصِد الإنتخابات الرئاسية, وما إذا كانت سَتجري في الرابع من تموز القريب؟ ام يَجري تأّجيلها؟