إربد - أحمد الخطيب

نظمت مديرية ثقافة إربد، مساء أول من أمس، في الساحة السماوية لبيت عرار الثقافي، أمسية قارب فيها الناقدان د. زياد الزعبي، ود. نبيل حداد، المحطات الإنسانية والشعرية والسياسية لشاعر الأردن مصطفى وهبي التل «عرار»، فيما قرأ الشاعر د. حربي المصري باقة من أشعار المحتفى به، بمناسبة ذكرى ولادته ووفاته التي تصادف في شهر أيار.

الأمسية التي رعى مفرداتها أمين عام وزارة الثقافة هزاع البراري، بحضور مدير ثقافة إربد د. سلطان الزغول، ووسط حضور جماهيري لافت، أدار مفرداتها المحامي محمد عزمي خريف رئيس منتدى عرار الثقافي الذي قدّم بين يدي الأمسية قبسات سريعة من سيرة المحتفى به، إلى جانب عرضه لسيرة المشاركين الإبداعية.

البراري: حالة من البحث المتواصل

راعي الأمسية البراري أكد في مستهل كلمته أن عراراً يجمعنا دائما على الإبداع والتاريخ العميق، منوها أن عرارا لو ولد في حاضرة مثل بغداد أو دمشق لكان له صدى عميق، ولكن يؤكد البراري أن عرارا له حضوره في أفريقيا، حيث ترك أثراً في وجدان الناس في تونس وغيرها.

وقال إن عراراً ليس مجرد شاعر، فهو حالة ثقافية متكاملة، وهو من أدخل المكان الأردني في بناء القصيدة، لافتا النظر إلى أنه يتجاوز شعره، فهو مدونات للتاريخ والجغرافيا والوجدان الأردني، وهو حالة من البحث المتواصل.

الزعبي: لم يكن «دوحة صحراوية»

اعتبر الناقد د. الزعبي في مستهل ورقته التي قدمها، أن الإعجاب حجاب، وربما يكون إعجاب أكثر المثقفين والأدباء الأردنيين، بعرار حجاباً حال وربما يحول، دون رؤية هذه الشخصية الثقافية الخارجة على المألوف، وذات السمات الوحدانية على حقيقتها، لأن الإعجاب كما يرى لا يقود إلى المعرفة الحقة أو الرؤية العلمية الناقدة، يقدر ما تقود، في معظم الأحيان إلى مواقف إعلانية تمجيدية، ولهذا يرى أن أكثر القراءات أو الدراسات التي كتبت عن عرار تركزت على جوانب معينة تكرر طرحها تكرار محاكاة لا تكرار مضاهاة.

ولفت أن عراراً في حمأة الأحداث التي عاشها في النصف الأول من القرن العشرين، كانت شخصيته تتشكل منتمية إلى مجموعة من المثقفين العرب تكونت في المراكز الثقافية العربية الكبيرة، وحملت إرث رواد النهضة السابقين وفكرهم ونتائج تجاربهم.

وقال إن عراراً لم يكن «دوحة صحراوية»، بل كان فرعاً لحركة ريادية تنويرية عمادها المثقفون العرب الذين سعوا بفكرهم وأعمالهم إلى خلق حركة تنوير غايتها إنتاج حالة وعي جماعي تجابه عناصر التخلف، بكل نظمه السياسية والاجتماعية والفكرية والسلوكية.

كما تطرق إلى الدور الريادي التنويري الذي قام به عرار، وهو دور جمع فيه بين الفعل السلوكي العملي، وبين الفكر والكتابة التي سعى بها إلى أن يؤسس، بوعي وقصدية، حركة ثقافية في الأردن ذات رسالة وطنية، قومية، إنسانية وتنويرية، صيغت في معظم الأحيان في «بنى فنية».

وأكد أن الفعل الثقافي الوطني عميق التأثير هو الذي ربط بين عرار والهوية الأردنية، ذلك لأنه «كتب للأردن» ولم يكتب عن الأردن، كتب المكان ولم يكتب عن المكان، كما يفعل المحاكون، وثمة فرق كما يرى د. الزعبي بين «كتابة المكان» والكتابة عن المكان.

وأضاف أن عراراً رسم في شعره وكتاباته النثرية جغرافيا ثقافية وطنية مشبعة بالمشاعر والأحاسيس التي تربط الناس بمكانهم وبوطنهم، فشعره لم يبق مجرد فن لغوي أو تعبير وجداني، لقد أصبح إلى هذا عنصرا مهما في صياغة كيان وطني ترسخه الثقافة المشتبكة بالجغرافيا.

وخلص د. الزعبي الذي تناول في ورقته باقة من المحاور من مثل: «الآخر وهوية الأمة، الوعي المتمرد والريادة، الكتابة المتمردة وآفاق الريادة»، إلى أن قراءة عرار من مداخل متعددة جديدة منبثقة من فكرة ريادته استنادا إلى نصوصه الأدبية والسياسية والفكرية تجعل من الممكن تجاوز الإطار الضيق الذي وضع فيه أو نظر إليه من خلاله.

حداد: أيقونة الشعر في الأردن

ومن جانبه تناول الناقد د. حداد في ورقته عراراً من جملة محاور، الأيقونة، وعرار المؤسسة، لافتا النظر في مستهل تقديمه إلى أن عراراً يتفرد في الشعر، وهو الأيقونة الوحيدة في الشعر في الأردن، موضحا أن الأيقونة كما يقول واسيني الأعرج، هي لحظة رمزية تخلق حولها نظاماً مدهشاً يقع خارج إرادات الأفراد، وتكاد تكون ثمرة لتشابك سلسلة من الصدف المتعاضدة مع بعضها والقدرة على التعبير عن الجوهري في لحظة زمنية محددة، والأيقونة ليست إرادة فردية أو جماعية، بل تكاد تكون قدرا مفروضاً يعتنقه الشعب بشكل جماعي وبلا تردد، ويرى فيه اختزالا لكل أحلامه وطموحاته، بغض النظر عن الانتماءات الحزبية والدينية والعرقية.

وفي قراءته للمحور الآخر، محور المؤسسية، اعتبر الناقد د. حداد أن عراراً ليس مجرد حالة شعرية، أو مرحلة، بل هو مؤسسة، ويعني بالمؤسسة تلك المؤتمرات والحركة النقدية التي تعقد حول هذا الشاعر، والمؤسسة أيضا تعني البعد الأكاديمي، من خلال رسائل الدكتوراة والماجستير التي تناولت حياة وشعر عرار.

وتطرق إلى المراحل الأولى التي تعرف من خلالها إلى شاعر الأردن «عرار»، عارضاً لكتاب «عرار شاعر الأردن» للبدوي الملثم، مبيناً أن الحكايات التي أوردها الملثم عن حياة عرار، قد سحرته كما سحره شعره، مبينا بهذا السياق، أن قراءته لهذا الكتاب قد استثارت كل مكامن الجمال في وجدانه نحو الشعر وكذلك نحو المكان والزمان والإنسان.

وأكد أن تعلقه بعرار كان تجاه عرار الإنسان والبطل في المجتمع والمكان والزمان ومن ثم في الحكاية، وأن شعره جاء في المرحلة التالية، لافتا النظر إلى أن حياة عرار حكاية إنسانية متكاملة، سواء في مسيرة حياته الغنية والمتفردة والمضطربة معا، أم في المواقف الصغيرة والكبيرة، إنها دراما متجددة.

المصري: قراءات شعرية

ومن جانبه قرأ الشاعر د. المصري باقة من نصوص عرار الشعرية من مثل: «منية المتمني، إنصاف يا هو، ينفلقوا، يا شيخ، المدينة الفاضلة، الناس، وسفاسف العلم»، ومما قرأ: «ليت الوقوف بوادي السير إجباري، وليت جارك يا وادي الشتا جاري، لعلني من رؤى وجدي القديم به، أرتاد مسّاً لجنيات أشعاري».