الاستقلال.. ليس مفردة احتفاليّة تمرّ بنا كل عام وتمضي لعام يليه، هي مناسبة راسخة في الوجدان الأردني الجمعي، صنّاعها الأوائل، قدموا لأجلها تضحيات، وقبل ذلك آثروا الوطن على أنفسهم، بلا منّة أو تفضّل.

والاستقلال ليس فعلاً ماديّاً عمليّاً أكمل سيادة الوطن، بل هو ذلك وأكثر، ففي صميمه، الكثير من القيم التي نحن اليوم أحوج ما نكون إلى استلهامها لتكون جزءاً عضوياً منا وفينا نعكسها في مواقفنا وعلى سلوكنا.

ذلك يعني أن ينتقل جوهر الاستقلال من جيل إلى جيل، بلا انقطاع، ومعه قيمه ومعانيه ودلالاته، ومن قبل حيثياته ومعطياته والظروف التي أنتجته وجعلته ناجزاً.. نقول بلا انقطاع، لأننا نقصد من ذلك تعظيم تلك القيم والمعاني في كل الأجيال، معرفة واستيعاباً وسلوكاً، وأن تدرك أن الأمر لم يكن هيناً أو سهلاً..

كان التحدي منذ البداية صعباً.. لكن من ينظر إلى المملكة اليوم، يظن لوهلة أولى أنها تربض على جبال من الكنوز، جعلها بهذه الهيئة؛ تطوّراً حضارياً، واسعاً في جميع المجالات، وعلى الرأس الإنسان.. فكيف نجح القوم في هذا؟

مبكراً فطن الهاشميون إلى المعنى الحضاري للدولة.. معنى أخذ يتوسّع جوهراً وشكلاً بالتوازي، وبنقلات حضارية، جعلت من الأردن رقماً صعباً، في إقليم لا تكفّ حرائقه عن الحسيس، تارة والأجيج تارة أخرى.

كانت إمارة، فإذا هي قلم وعمران، تجارة وصناعة. وهي أمام كل ذلك، لم تكفّ عن تلقي المفاجآت، واحدة تلو أخرى، سوى أن ذلك لم يمنعها من أن تواصل النهوض.. نهوضاً جعلها خزاناً بشرياً يفيض على من حوله علماً ويداً ماهرة.

حتى إذا جاء أوان ما يسمى «ربيع العرب» حضر التحدي الأوسع، فهل كفّ قمر المملكة عن الدوران؟ نعم يعاني سوى أنه وهو يئن ينهض. يريد أن ينهض. في كل مرة يواجه قمر الأردن شهاباً ما يداريه ثم ينهض.

وسط إقليم يحوم حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، نجح جلالة الملك عبدالله الثاني في قيادة شعبه عن كل ما يتلظى في الإقليم، حتى تحوّلت المملكة؛ قيادة وشعباً وأرضاً، إلى واحة لم يجد المكلومون سوى رُكنِها للاختباء بها من نار هشّمت بلادهم.

يدرك الأردنيون كل هذا، ويثمنونه، ويشكرونه.. هذا بلد نهض فصار رقماً أو قل ماكينة نهضة بجهود متواصلة من ملوك هاشميين اتقنوا فن إدارة النهوض في إقليم لا يريد لأحد أن يعيش.

هو إيمان قبض جلالة الملك عبد الله الثاني على خيوطه فحاك للبلد ثوب الأمان وما يزال، رغم الصعاب والتحديات، عبر سلسلة ممتدة من الخطط والمبادرات، الموجهة نحو تعزيز دور الأردني في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

إيمان «حامي الاستقلال» المطلق بالأردنيين، والذين هم على رأس سلم الأولويات الوطنيّة، يضع على عاتق كل أردني مسؤوليّة الاسهام بالتنميّة الوطنيّة الشاملة والمشاركة في العمل، وممارسة الدور الفاعل في بناء وطن لم يكن يوماً بعيداً عن استقلاله وسيادة قراره.