لتتزين الطرقات ولتعلو أصوات الفرح وأهازيج الوطن في الإذاعات، ولتعقد الاحتفالات والمهرجانات في الشوارع والمدارس والمسارح، ولتمتلئ الصحف بالتهنئات والتبريكات لهذا الشعب الأبيّ وقيادته المظفرة بمناسبة عظيمة عند الأردنيين، هذه المناسبة التي يحتفل بها الأردنيون إنتماءً للوطن الأغلى وفخراً به، ألا وهي ذكرى استقلال هذه الأرض الطيبة المباركة.

ففي يوم استقلالك وطني نُعلي الهامات علو السماء، ونشرّف الرؤوس بإلباسها تاج العز والفخار، ونبعث في النفس أرقى وأجمل مشاعر الكبرياء، ونسطّر على أرضك الطاهرة يا وطني أروع عبارات الفداء، لنقول لسواعد الأوائل من أبنائك يا أردن: بوركت أياديكم بما أنجزتموه لنا، حين صنعتم للوطن الأغلى هويته التي أعلناها للعالم أجمع، هوية أردنية عربية هاشمية.

إذْ أننا في هذا اليوم نستذكر عبق الماضي ومنجزات الحاضر والتطلعات والآمال والاصلاحات المنشودة التي ستقودنا إلى المستقبل الزاهر الزاهي بإذن الله بفضل قيادتنا الهاشمية الحكيمة، وبفضل الأردنيين الأوفياء المخلصين، فقد أصبح الأردن (الصغير) أردننا (الكبير) النموذج وبلد المؤسسات بنظر العالم أجمع.

فهي قصة الأرض التي ولدت في دواخلنا، وولدنا من بطنها متلازمين ومتصلين بحبل لا ينقطع، وهي ذلك الجدول من العطاء للوطن فصوله مستمرة لا تنتهي، إنّهم الأردنيون يحفظون الوطن بين ضلوعهم، ويحتضنهم الوطن بداخله كأم تحضن أطفالها بابتسامات وزغاريد الفرح لتزرع فيهم نبض الحياة وتسقيهم من إكسيرها.

فيوم استقلالك يا أردن يوم أمة واستمرار حياة، فمنذ الأزل وعلى مر العصور والحقب كانت أرضك المباركة هي التاريخ والجغرافيا والإنسان، فقد شرُفت رمالك يا أردن بخطى وسير أقدام سيدنا محمد العربي الأمين (صلى الله عليه وسلم) على ثراك الطيب، فقد مرّ من هنا سيد البشرية مرّ على سهولك وقطع وديانك، أما سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام فقد وقف على جبل (نيبو) في مأدبا، ومن منطقة عيون موسى انفجرت تحت اقدامه اثنتا عشرة عيناً.

فالأردن مهد الرسالات والانبياء ومهد الحضارات، في هذا البلد النابض بالحياة، الذي يغزل من خيوط الشمس الذهبية سراً من أسرار الكون بأنّ الأردن حاضر في كل مكان وزمان.

لذا فإنّ هذه الذكرى الثالثة والسبعين (73) ترجع بنا إلى إعادة قراءة الصفحات البطولية والأدوار العظيمة الخالدة التي قامت بها القيادة الهاشمية بما أملاه عليها حسّها القومي وانتمائها المطلق للإسلام والعروبة.

إذ أن الاستقلال الذي نحتفل بذكراه اليوم لم يكن هبة أو منحة بشرية أو تنازلاً من محتل، بل كان انتصاراً واستحقاقا نالته المملكة بتضحيات القيادة بمختلف الوسائل والأشكال والأدوات.

تلك القيادة التي آمنت بأهمية تحرير الإنسان الأردني والعربي على حد سواء، لإعلاء شأن الأمة، والعمل على بعث تراثها الخالد.

إذْ أنه بالاستقلال أُعيدت كتابة قصة الوطن من جديد، فكانت الحكمة في تلك البدايات هي إعادة ترتيب البيت الأردني الداخلي، وإسناد أمر شؤونه إلى أهله ف (أهل مكة أدرى بشعابها).

فقد كان للمغفور له الحسين بن طلال مع الاستقلال والبناء وقفات عزّ وفخار، إذْ أصرّ على مواجهة متطلبات مرحلة الاستقلال منطلقاً من ثقته المطلقة بقدرة الأردنيين على التكيّف والتعامل مع الحقبة الجديدة بنضج ووعي ومسؤولية.

وبتحقيق الاستقلال التام بدأت المملكة الهاشمية بلعب دورٍ بارز عربي ودولي، وذلك للدفاع عن هموم الأمة العربية والإسلامية.

وما زال الأردن ومنذ تاريخ الاستقلال يشدّ الرحال نحو تحقيق التنمية الشاملة والنهضة الحقيقية التي يرضى عنها الأردنيون، وتجسد أفكار القيادة الهاشمية التي عملت طيلة سنوات الكفاح والنضال ليتسلّم دفتها صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله ورعاه، الذي يعمل وبشكلٍ دؤوب على رفعة الأردن وتقدمه بما يحقق الطموحات الشعبية، ويضمن حقوق الأجيال القادمة في العيش برضى وسلام على التراب الأردني.

ففي الأردن حبّ الوطن يعبق بروائح من ماضٍ عريق، لم تتوقف قوافله لحظةً عن المسير للمستقبل، ولم تنحنِ هامات أبنائه أمام الأعاصير، فهو وطن بكم أيّها الأردنيون يكبر، ويُشق عباب اليم، فتتجاوز أشرعته عواصف الزمن.

ووفاءً وحبّاً جمّاً أيّها الوطن الأغلى أن نتذكر صنّاع تاريخنا العريق وبكل فخر، ولزاماً علينا أن نواصل صناعة هذا التاريخ، وأن نتطلع للمستقبل، وأن نوحد الصفوف حول قيادتنا الهاشمية المباركة، لتبقى راية الوطن عالية خفاقة بكل عزّ وشموخ.

وإننا في هذا اليوم الخالد لنرفع إلى مقام سيد البلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم باقات الإعتزاز والولاء والإخلاص مزينةً بالورود والرياحين، فهو الذي يصل الليل بالنهار حاملاً هموم وطنه إلى أرجاء الدنيا، فلك من الأعماق سيدي صاحب الجلالة الهاشمية جُلّ عبارات التهنئة والتبريك، وكل عام وأنتَ وشعبك الطيب والأردن وثراها الطهور بألف ألف خير.

ودعاؤنا دوماً بأن يحمي اللّه الأردن أرضاً وملكاً وشعباً.