ثلاثة وسبعون عاماً مضت على استقلال أردننا الوطن الغالي، وفي العمق قبل ذلك مسيرة كبيرة من التحديات استمرت إلى يومنا هذا، والثورة العربية الكبرى المجيدة التي قاد صهيلها ملك العرب الشريف الحسين بن علي طيب الله ثراه عام 1916، وأخذت الوصاية الهاشمية بعداً تاريخياً ودينياً ارتبط في صلب العقيدة الإسلامية التي جسدتها حادثة الإسراء والمعراج لنبينا الهاشمي محمد صلى الله عليه وسلم قبل 1400 عام، ومبايعة أهل فلسطين للشريف الحسين ابن علي عام 1924 وصياً على المقدسات، فقصدت الثورة بناء دولة الأردن، وبلاد الشام، ودولة العرب تحت شيفرة «الفرس الشقراء» (الحركة العربية، سليمان الموسى: ص309)، وخلف شعار النهج القومي (الوحدة، الحرية، الحياة الفضلى)، وفي صفحة 36 من كتاب سليمان الموسى سابق الذكر هنا كتب يقول (.. الشعوب هي التي تصنع تاريخها بنفسها، وكل شعب يلقي تلك المهمة على عاتق شعب آخر ينتهي إلى الوقوع فريسة في قبضة ذلك الشعب الآخر).

واللافت للانتباه هنا هو أن الاستعمار المباشر ومن ورائه الصهيونية غير المباشرة راقبت (الثورة) وحراكها، وانتجت اتفاقية معيقة للمد القومي وأهدافه تجاوزت مراسلات الحسين مكماهون، وقعها كل من بريطانيا وفرنسا عبر السير مارك سايكس، والمسيو جورج بيكو، وهدفت إلى اعتراض الثورة، والذهاب إلى تمزيق بلاد الشام وكافة بلاد العرب، وأدخلت إسرائيل إلى فلسطين بطريقة غير شرعية، وألحقت بها وعد بلفور 1917 لتثبيت أقدام الكيان اليهودي، وأبقت على عيون الاستعمار محدقة صوب المساحة بين النيل والفرات وسط العرب.

وساهم في بناء الأردن وإلى يومنا هذا ثورة، وملوك أربعة هم (الحسين ابن علي، عبد الله الأول، وطلال، والحسين، وعبد الله الثاني)، وجمع من العشائر، ومنهم من حظي باستقبال الثورة مثل، الفايز، والعجلوني، وأبو تايه، وفي العمق القومية الشركسية عام 1858، والقومية الشيشانية 1901، عندما كانت عمان (عمون)، وغيرهم من القوميات (المراجع: دليل أهلنا، وجبليو القفقاس، وموسوعة بدائع الزهور في وقائع الأمور) ولم يكن بناء دولة الأمارة سهلاً التي لامس ظهورها نهاية الحرب العالمية الأولى 1918، فظهرت عام 1921، وظهرت معها صحافة الاستقصاء على يد الأمير العربي الهاشمي المؤسس عبد الله الأول بتوقيع (ع)، وأغتيل ملكاً أمام المسجد الأقصى في القدس، وغادر الحياة شهيداً وسط ظروف غامضة ذات علاقة مباشرة بمشروعه الوحدوي مع العراق عام 1951، ونودي بطلال الذي أصبح يلقب حتى وقتنا هذا بملك الدستور عامي 1951-،1952 وجاء الدور الباني الطويل المقدر للملك حسين رحمه الله والذي عادلت فترته الزمنية سنوات الاستقلال من عامي 1953 إلى 1999، وأصبح يوم رحيله يسمى بجنازة العصر وسط حزن الأردنيين، والعرب، وكافة زعماء العالم.

والأردن وطن عزيز لا يقاس عمره بمئة عام، بينما جذوره تمتد في أعماق الدولة العباسية منذ أكثر من سبعمائة عام (767 عاماً)، وكانت أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ (كلمة النائب محمد نوح القضاة (28.1.2018).

وحدوده الجغرافية ومساحته لا تنحصر بـ 89.342 كم2، وإنما ترتبط بعمق عربي قوامه 13.152.650 كم2، وهو المؤهل مجدداً لاستقبال وقيادة صيحة عربية بهدف بناء القطب العربي الواحد وسط أقطاب العالم المتعددة، والواجب أن تصبح متوازنة، وذات سيادة.

وتمكن الأردن من التصدي لحراك الربيع العربي 2011 بتقديم السياسة على الأمن، والأردن قطر عربي شامخ يتمتع بسيادته على أرضه، ويقيم علاقات متينة مع كافة أقطار العالم، ويوازنها بين أميركا والغرب، وروسيا والشرق، ويصغي للسياسة ويعود لقراره الوطني والقومي ولا يحيد، وبالأمس فقط تمسك بحقه الوطني بالغمر والباقورة، وتمكن من تفسير معاهدة السلام مع إسرائيل كما يجب قانوناً، وحتى اتفاقية الغاز وضعها تحت علامة استفهام لحين ظهور البديل، والتزم بحل الدولتين، وبضرورة قيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وبإعادة إسرائيل لحدود الرابع من حزيران، وبتجميد بناء المستوطنات، ولم يتفق مع صفقة القرن وعارضها، ورفض التوطين، ورفض الوطن البديل، وهو ما ورد في خطاب لجلالة الملك عبدالله الثاني أمام الأجهزة الأمنية عام 2019 عندما قال نحن الجيش العربي المصطفوي وتاريخنا في فلسطين، ولنا صوت، ولدينا تحديات اقتصادية، ولنا موقف.

وفي حديث آخر لجلالة الملك امام مجلس السياسات الوطني بتاريخ 12/8/2018، تحدث جلالته عن خطر الخوارج وايدولوجيتهم والذي هو خطر على الإسلام والمواطنين أيضاً.(انتهى الاقتباس).

ونجح الأردن بجدارة في مواجهة الارهاب الذي استهدفه، وسبق له ان طارده في عقر داره ودفع ثمناً غالياً مقابل ذلك تكلل في تقديم كوكبة من الشهداء الأردنيين، تقدمهم الشهيد الطيار البطل معاذ الكساسبة الذي ضرب مثلاً في النضال الى جانب رفاق السلاح الأردنيين الأبطال من قواتنا المسلحة الأردنية الباسلة/ الجيش العربي.

وفي باريس جلالة الملك عبدالله الثاني يؤكد أيضاً على أن المتطرفين يستغلون التكنولوجيا لنشر افعالهم البشعة (17/5/2019). ولقد تمكن الأردن من الانتصار في معركتين مهمتين مع اسرائيل وهما (الكرامة) عام 1968 وبطلها الميداني مشهور حديثة الجازي، و(تشرين) عام 1973، وبطلها الميداني خالد هجهوج المجالي عندما ساهم وقواته الأردنية الى جانب السورية والعربية بتحرير مدينة القنيطرة الجولانية السورية، وما تعلق بنكسة عام 1967 تم زج الأردن فيها في الربع ساعة الأخيرة، ولم يقتنع رئيس وزرائنا آنذاك وصفي التل الشهيد لاحقاً بأهمية ونتيجة الحرب، ولم يصغ عبدالناصر لمعلومة مليكنا الراحل الحسين العظيم بأن إسرائيل تخطط لضرب الطائرات المصرية بتاريخه حزيران حالة اندلاع الحرب (د. بكر خازر المجالي. عمون. مقالة أسرار خطيرة في كتاب مستشار الملك). وغاب التنسيق العربي، وتاهت بوصلة تحرير فلسطين، في وقت اختارت فيه الجامعة العربية جلالة الملك عبدالله الأول ليكون قائداً عاماً للجيوش العربية في فلسطين عام 1948، (بكر خازر المجالي. عمون. مقالة حرب فلسطين.. تناقضات وملفات لا زالت حبيسة).

وعلى مستوى الاقتصاد اعتمد الاردن سياسة السوق الحرة وجلب الاستثمار لتجاوز إمكاناته المحدودة من المصادر الطبيعية تحت الأرض، ودعوات ملكية متتالية بهذا الاتجاه، وزيادة نوعية في نسبة أعداد السائحين في الأردن وصلت الى 7%، و15 وثيقة تعاون بين الأردن والكويت، وإتفاقية خاصة بالمنتجات النفطية بين الأردن والعراق سميت بـ (Door to Door)، وإعلان مصري عن تزويد الأردن بنصف حاجته من الغاز الطبيعي عام 2019، وحجم للاستثمارات السعودية في الاردن وصلت الى 3 مليار دولار، وأخرى غيرها لمجلس التعاون الخليجي، و500 مليون دولار من قطر و10 آلاف فرصة عمل للأردنيين. وأميركا تقرر زيادة المساعدات الاقتصادية للأردن بحجم 754,1 مليون دولار منذ عام 2018. وتمويل إماراتي لمشاريع أردنية بـ 100 مليون دولار. وما كان لكل ما سبق وذكرته أعلاه أن يكون وكأمثلة على الانتعاش الاقتصادي الأردني إلا بالجهود المباشرة لجلالة الملك عبدالله الثاني، ولتوازن علاقات الأردن مع العرب والعالم، ومع ذلك ستبقى التحديات الاقتصادية خاصة تواجه بلدنا الأردن المتزايد طردياً في عدد السكان وبسبب غياب الوحدة العربية الحقيقية وعلى كافة المستويات، بينما هو أملنا باتجاه الوحدة كبيرٌ.