د. إبراهيم السعافين

جاءت بنية قصيدة «جداريـّـة يوتيربي أو أنثى الغياب» للشاعر الراحل عاطف الفراية، في فصلَين يكشفان منذ اللحظة الأولى المنحى الذي يحدِّد رؤية الشَّاعر، والرَّافد الثَّقافي الأصيل الذي يستقي منه لغته ورؤيته وهو الرَّافد الصُّوفي، فثمَّة تلازمٌ بين الفصلين من حيث الرُّؤية والمضمون، وهما التِّيه والمعراج.

وليست الرؤية الصُّوفية تتطلَّب بالضَّرورة أنْ تكون ناجمةً من زاوية معرفيَّة، بقدر ما تبدو صادرةً عن رؤيةٍ فنيَّة، بيْد أنّ الرُّؤيتين قدْ تلتقيان وقد لا تلتقيان. ولعلَّ هذه الرُّؤية تيسِّر للمبدع توصيل اللحظة الإبداعيَّة الجمالية من دون أن تُخِلَّ الحمولة المعرفيَّة بوهج الإبداع.

وإذا كان التَّصوف في جوهره وليد تجربة وجوديَّة ومعاناةٍ معرفيَّة، يعيش المتصوِّف في المبتدأ في دياجير الظَّلام، بعد أنْ تنسج تجربة الحياة على قلبه الوضيء سُدُفاً مظلمةً وحُجُباً صفيقة، حتى يستحيل في لحظةٍ ما، أنْ يدخل قلبه ولو نسيس من الضَّوء، ثم يبدأ بعدها رحلة المجاهدة العنيفة الدؤوب طلباً لمرحلة لا يُؤتاها إلا ذوو العزم، وهي مرحلة الكشف والتَّجلي، حيث العيش في نعيم رؤية الذَّات الإلهية بعد أنْ فارق هموم الحياة وصغائر النَّزعات والرَّغبات والشَّهوات؛ فإنّ عاطف الفراية سلك هذا المسلك في قصيدته» أنثى الغياب».

وكأنّ هذه القصيدة استعادةٌ لزمن ماضٍ، مرّ الشَّاعر فيه بمرحلتين متتابعتين: التِّيه، وهو ما يناظر مرحلة السُّقوط في الذِّنوب والخطايا، والمرحلة الثَّانية هي مرحلة المجاهدة والمعاناة والبحث متوسِّلاً بالمعرفة اللدنية حتى يتحقَّق له -من خلال لذَّة المعرفة- المُراد.

لك الله يا عاطف! كم تتبدَّى اللحظاتُ الإشراقيَّة في هذه القصيدة؛ تحدس وتستبطن وتستشرف وكأنَّك تقرأ الغيب وأنت تجوس خلال الحياة ومتاهاتها ومعاناتها وأشواقها وتستشرف الموت المتربِّص الذي تراه رأيَ العين لك بالمرصاد. إنَّ عاطف الفراية يكتب سيرةً شعريَّةً، يلتحم فيها السَّرد بالدراما، تصلحُ أنْ تكون مونودراما على المسرح تجسِّد صوت شخصيةٍ وحيدةٍ في عالم البريَّة التي تتعاوى فيها الذِّئاب، وتتناوح في فيافيها الرِّياح.

يرتدُّ عاطف الفراية إلى الماضي، ويشرف -من علٍ- على حياته القصيرة الغنيَّة التي أَخلَّ بها الموت في عزَّ الشَّبابِ وفي جذوة العطاء. يرى الحياة بين فاصلتين؛ هما التَّوهج في البداية التي وعاها، والتَّوهُّج في النِّهاية التي بلغها أو استشرفها. صوّر نفسه حين أطلَّ على الحياة منعزلاً لا تعترف به الجماعة ولا يعترف بها، بل هو الصُّعلوك والذِّئب الذي يعوي وحده في البراري. إذ استطاع بحدَّة شعوره وعمق تفكيره أن يعبّر عن هذا الحسِّ الطَّاغي بالوحدة والمأساة والفقد بصورٍ شعريَّةٍ مبتكرة -صنعها على عينه- تعبّر عن عمق التَّجربة وقسوة المعاناة.

في فصل «التيه» نرى المعجم اللغوي يحفل بألفاظٍ وتعبيراتٍ من مثل: جرار النَّبيذ، والنَّزف، والمتاهة، و"السُّم الذي لم تضعه سوى يدي»، و"هوذا دليلي في متاهاتي التي ما جرّني غيري إليها»، مثلما نقف عند صورٍ مَتَحَتْ من حسِّه بالفقد والمأساة: «الرَّمل كثبان القصيدة حين تذروها رياحي»، و"بعض هذي الرِّيح صفرة ماء أنهاري التي قد كنت فاتحها، فخانتني مجاديفي». وهي صور تعبِّر عن المحنة ودلائل التَّحول في أعماق التَّجربة. فيرى نفسه في لحظة الانصهار مع الألم يتوحَّد مع الكون والطبيعة: «بعض النهر هذا دمعي المفقود.. بعضٌ من دمي خمري.. وبعضٌ من فمي جمري»، و"ها بعضي يصبُّ النَّار في بعض الفراغ لتكتوي كلُّ السَّلالم ترفع النِّيران نحو الغيم تمطرني بها».

في هذا العالم تتشكَّل صُورٌ من حقول متآزرة؛ من الماء والنبات والغواية والنَّار والبذار، من الحبِّ والماء والنَّار والموت والجنون: «هذا دليلي في رثاء قصيدتي لا أشتهيه غواية.. بل إنَّه الجنون البكر يجترُّ البذار إلى الحريق قبيل نبت الزَّرع فيه.. ولا رثاء حبيبتي قدرٌ بدرب الثَّاكلات قصائدي».

لقد وقف الشاعر أمام القصيدة كأنَّها أيقونته العتيقة أو عالمه المقدَّس، وصفَ القصيدة: ماهيتها وطبيعتها ووظائفها، صنعها على عينه على نار هادئة مثل ظبيّ أسطوري صقلته النار، وظل يلعب على تقنية الميتاقصيدة على مدى سطور هذه القصيدة كلِّها.

وقد أفاد من التَّضمينات الثَّقافية من القرآن الكريم وأساطير الإغريق منْ مثل بنلوبيّ وأوديسيوس، وربما استهواه نشيد الأنشاد وشعر العذريين والشِّعر الرَّعويّ في بناء قصيدته في تحوُّلاتها، وأفاد من لغة النقد» وكنتُ تياراً من اللاوعي»، ومن طريقة الكتابة ومن التَّشجير في كتابة الحروف الأولى من كلمة «تَدَلّلت» كلُّ حرفٍ في سطرٍ مستقلّ.

وتأثر بمحمود درويش في بعض الصُّور أو المقاطع تأثُّرَ الشَّاعر المستقل بتجربته، صاحب الصَّوت المتميِّز والحنجرة غير المستعارة من مثل قوله: «أنا القتيلُ القاتلُ» أو «أحبك هكذا سوداء.. يا هذي القصيدة مثل ظبيٍ في أتون النار» وربما في استشراف الموت وحوار الموت. ولا يمكن أنْ نمرَّ على اختيار عنوان «الجدارية» دون أنْ نتساءل عن العلاقة بين القصيدتين (قصيدة درويش وقصيدة الفراية)، فالشَّبه متحقّق في البناء وفي الموقف الوجوديّ من الحبِّ والموتِ والحياة والفنّ، ومن اللحظة الجماليَّة. على أنَّ عاطف الفراية يظلُّ يستقلُّ بلغته وشخصيته وهويَّته وقضيَّته.

واستخدم الشَّاعر تقنية المرايا في التَّعبير عن حالته الوجودية، ورسم شيئاً من سيرته الذَّاتية منطلقاً من نزعة ساخرة تهكميَّة: «هل أنا وغدٌ كما كانتْ تسميني طويلاً في دعابتها الحبيبة»، «هل أنا حقاً خراااااااااافة عشْقِها الـ كانتْ تناديني إذا أسمعتٌها شعراً وتطربُ، هل أنا وغدٌ كأوديسيوس كيْ أبكي التي منحتْ لصحرائي ربيعاً أحرقأته يدي؟».

وتظلُّ مفردات (نار القصيدة، والحبيبة، والمرايا) تتبادل المواقع، فالمرايا تتشفَّى باحتراقه.. «وحدها المرآة تقتلني بوجهي كلَّ صبحٍ.. وحدها.. وحدي ألمُّ زجاجها.. وجعاً تشقَّقت المرايا في القصيد وكلما فارَ العويلُ تناثرتْ.. وحدي أَلُمُّ شتاتها.. وحدي بها وأنا القتيل القاتلُ».

وفي الفصل الثَّاني والأخير: «المعراج»، نرى الشَّاعر يفتتح تحوُّلاته باللغة الشَّعبية «كان يا ما كان» مقترنةً بتحوُّلات التَّمْر من خلال ألوانه، وتتبدَّى صورة العاشق النَّرجسي، والحبيبة المثالية، ويرشُّ على القصيدة أزهاراً من أناشيد الرعاة:» وما أحببتُ غير غزالةٍ كانتْ تدلَّتْ منْ أراجيحِ السَّماءِ. وكنتُ طفلاً»، ذاكراً التَّحوُّلات: صيَّاداً، صقراً، غزالاً، حصاناً جامحاً.. «قد كنتُ كانتْ تشتهيني العادياتُ جميعها»، «هذا صهيلٌ كان يُشعل كلَّ نايات الرعاة", وبدا الغزل الرّعوي الجميل وكأنَّه يستلهم نشيد الأنشاد، ماتحاً من لغة الأساطير «العزف السَّماوي» ومفيداً من أسطورة تموز وعشتار وسواها من أساطير الموت والانبعاث. على نحو ما نرى في قوله: «ليست الأرض هنا ولكن الكون كلّه مرتبك».

وقدْ قدَّم للحبيبة قرابين من الصُّور الفريدة وكأنَّه يسترضيها لتعود أو يهدهد غيبتها القاسية وهي التي جعلت الأرض بعد غيابها قحلاً ومحلاً: «وخيبةٌ شبقُ الغيوم إلى التّراب كخيبة المعنى على السّجادة الحمراء من عبدٍ توضَّأ بالسَّراب، وخيبةٌ بحثُ السَّماء لوجهها عن زرقة في البحر حين تراه أبيض، خيبةٌ شبقُ الظُّنون إلى الحقيقة في مسامات الخليقة»، «وأنا وليد الرَّمز في المعنى على وتري تجوسُ الخيبة الكبرى إذا ما اشتقتُ للقول الفريد».

وتظلُّ لغة القصيدة أقرب إلى لغة الضَّراعة التي يتوجه بها الشاعر للحبيبة لتعود إلى الأرضِ السعادةُ والخصب وتفيض الحياة، من مثل قوله: «ويا بعيدة لو نزلت لكنتُ أوصفَ خلق ربِّ الكون للمعنى فها إني وصفتُكِ»، وقوله: «والأرض التي تطئينها تغدو سماء».

ولعلّ قارئ هذه القصيدة تلفته بنيتُها الإيقاعية، وإلحاحه على حرف الصّاد الذي أكسب القصيدة لوناً من الانسجام الإيقاعي الفريد. فكان الإيقاعُ الألوانَ التي شكّلت لوحة الجدارية، حيث تداخلت فيها الصُّور والإيقاعات والانزياحات والتَّضمينات الثَّقافية. جداريةٌ محورها الحبيبة التي يودُّ الشاعر أنْ يعلن للناس غير مبالٍ بأنَّها التي عرجت به من التِّيه وضلال المسعى إلى رحاب الكشف والتَّجلي.

إنَّ رحلة عاطف الفراية في «جدارية يوتيربي أو أنثى الغياب» هي رحلة العاشق الذي اهتدى إلى حبيبته المثالية التي تجلَّتْ صورتها أمام عينيه في الغياب، وظلَّ يتضرَّع لها حتى تتجلَّى حقيقةً في حسِّه ووعيه في الحضور، وقد تجلَّت له كائناً عصيَّاً على الوصف، ولكنَّه في ذروة المجاهدة تحقَّق له الكشف والوصف. الشَّيء الذي ظلَّ غائباً هو انفساح الأجل حتى يكمل بين يديها سفر الحبِّ والضَّراعة، وكان أنْ التقى ما استشرفه في البداية والنِّهاية.

لم تتم هذه القصيدة القربان؛ لأنَّ مبدعها استشرف النِّهاية بعبارات النهاية «لم تتم. لا تتم. لن تتم». وليس من شكٍّ في أنَّ «أنثى الغياب»/ الجدارية الجديدة، إضافةٌ جديدةٌ لافتةٌ لشعر عاطف الفراية وللشِّعر العربيِّ الحديث تستحقُّ أنْ تنال عناية النُّقاد والدَّارسين.