د. حكمت النوايسة

توأم الرّوح، شقيق الرّوح، هاتان الصّفتان اللتان يصفني بهما في رحلتنا القصيرة على هذه الأرض التي لم تتمكّن منْ أنْ تجعلنا في بلد واحد، فغادرتُ إلى السّعودية سنة، ثم غادر هو إلى الإمارات ليستقرّ هناك إلى أن يتوفّاه الله بعيداً عن وطنه، تردّد روحه في صعودها رائعة عرار:

يا أردنيّات إنْ أُوديتُ مغترباً

فانْسجْنَها بأبي أنتنّ أكفاني

هكذا، فكان طلبه عكسَ الماء تماماً، أعزّ موجود، وأهون مفقود، ذلك أنّ الأكفان هي القلوب التي تحفظ لمثل عاطف الفراية المكانة، فإنْ اختفى القماش نسجت الأرواح ما نسجت، نعم، وأيّ نعم عندي هنا، وأنا أحاول أنْ أتدرّب الرّثاء، لأتحدّث عن توأم الرّوح الذي ربطتني به علاقة من تسعينات القرن الفارط إلى وفاته، وكان التّواصل شبه يوميّ مهما كانت الظّروف وابتعدت الأماكن، وكان المشروع المشترك (القصيدة التي لم نُسبق إليها) هاجساً داخليّاً يحفزنا إلى القراءة والقراءة والقراءة والمماحكة والمماحكة والبحث حتّى عند الأطفال الذين يتدرّبون الكتابة الآن، فضلاً عن الكبار الذين كدنا نتفّق على رأيٍ في أشعار معظمهم، وتجاوزنا معظمهم بانتظار أنْ يقول لنا أحدٌ ما في مكانٍ ما: لقد قدّمتما شيئاً جديداً!

سأترك هذا...

كان عاطف قريباً، قريب الدًمع، وكان كريماً كرماً لا يوصف، وكان إنساناً إلى أبعد الحدود، تهتزّ أركانه لموقف بسيط يراه معظم النّاس أقلّ من عاديّ، وتستفزّ مشاعره وتؤجّجها حادثةٌ سمع عنها حتّى وإنْ لم تكنْ حصلت.

جاء من خلفيّة دينيّة، ولكنّه لم يتعصّب لدِين، وكان منفتحاً على الجميع: الأديان والنّاس، وكان حريصاً على أنْ يقوم بما يمليه عليه دينه، دون أنْ يمنّ على أحد بذلك.

كان الصّديق الوفيّ الذي يسبق لسانك إلى ما تريد منه، ويسبق خطواتك إليه دائماً.. يا ألله كمْ أكره هذه الــــ (الكان)! رحمه الله رحمة واسعة، لعلّي أستطيع أنْ أكتب شيئاً عنه في يوم من الأيام!