منذ اكثر من اربعة عقود ونحن نسمع في الاردن عن توجه الحكومة نحو تأمين صحي شامل للمواطنين الاردنيين. وقد تجدد سماع هذه السيمفونية حديثا على لسان دولة رئيس الوزراء الحالي، كما يتكرر الحديث على السنة رؤساء وزراء سابقين ونواب واعيان ووزراء صحة ونقابات مهنية والكل يطالب بتطبيق التأمين الصحي الشامل، او توسيع مظلة التأمين الصحي ليشمل جميع المواطنين.

كما اعتدنا كل عام ان تقوم جمعية التأمينات الصحية الاردنية بعقد مؤتمرها السنوي حول هذا الموضوع، اضافة الى ندوات وورش عمل منظمة الصحة العالمية والمنظمات الدولية الاخرى التي كانت تعقد بالتعاون مع الحكومة الاردنية. ورغم مناقشة هذا الموضوع المهم متعدد الجوانب والتحديات الا اننا لغاية الان لم نصل الى مفهوم واضح المعالم لما هو مقصود بمصطلح التأمين الصحي الشامل. هناك مصطلحان يتم تداولها باللغة الانجليزية:

الاول: Comprehensive Health Insurance

والثاني: Universal Health Coverage

وكلاهما يحملان نفس المفهوم الذي يدور حول تغطية مواطني الدولة علاجياً من قبل الحكومة وهذا المفهوم هو ما يقصده جميع المسؤولين الحكوميين عندما يرددون او يطالبون بتطبيق التأمين الصحي الشامل. وهنا تحضرني الأسئلة التالية التي تدور دائماً في خلدي وتترك دون اجابة في الحوارات والندوات والمؤتمرات المحلية والاقليمية:

1- ما هي الخدمات الصحية العلاجية التي تشملها تغطية الدولة هل هي الخدمات الصحية الاولية التي تقدم في (العيادات والمراكز الصحية الاولية والشاملة) ام الخدمات الثانوية التي تقدم في (المستشفيات العامة) ام الخدمات الثالثية المستوى التي تقدم في (المراكز الطبية المتخصصة) أم جميع ما سبق.

2- هل التغطية تشمل كامل السكان الاردنيين ام جميع من هم على الارض الاردنية كما هو الحال في النظام الصحي الوطني البريطاني (NHS)

3- هل المؤمن عليه او المغطى بشمولية تامة من قبل الدولة في كافة مراكز تقديم الخدمات الطبية لا يدفع شيئاً من جيبه الخاص اينما ذهب ومقابل أي خدمة تقدم له.

4- ما هي مشاركة المواطن الاردني في صندوق التأمين الصحي الشامل وهل التمايز في اقساط التأمين بين القطاعات الحكومية سيبقى ام سيتم توحيد هذه الاقساط.

5- هل التمايز في المنافع التي يحصل عليها المواطن في كل قطاع حكومي سيستمر في ظل التأمين الصحي الشامل ام سيتم توحيد هذه المنافع للجميع.

6- ما دور شركات التأمين الخاصة وصناديق الشركات الحكومية وشبه الحكومية في ظل التأمين الصحي الشامل ونحن في دولة توجهها نحو مبدأ السوق الحر.

لا ازال اذكر في منتصف التسعينيات عندما دعانا سمو الامير فراس بن رعد مستشار الراحل طيب الله ثراه الحسين بن طلال للشؤون الصحية آنذاك لندوة مغلقة في فندق الراديسون ساس/ اللاندمارك حالياً لمناقشة موضوع التأمين الصحي من وجهة نظر قطاع عام وخاص، وكان بين الحضور معالي الدكتور زيد حمزه اطال الله في عمره والمرحوم معالي الدكتور نائل العجلوني رحمه الله وسعادة الدكتور سعد حجازي اطال الله في عمره وممثلون عن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي وآخرون عندما بسط الدكتور نائل العجلوني رحمه الله لسموه مفهوم التأمين الصحي الشامل المبني على منظومة تقديم الخدمات الصحية الاولية عند اول تلامس للمواطن مع النظام الصحي الوطني (First Points of Contact) والتي تدار ويقدم الخدمة فيها مختصون في الطب العام او طب الأسرة General Practitioners or Family Medicine Specialists واذا احتاج المواطن الى خدمات صحية في مستويات اعلى (ثانوية وثالثية) فان عليه ان يحصل على تأمين صحي حكومي او خاص من خلال الشركات والمؤسسات التي يعمل فيها، اما الفقراء فتقوم الدولة بعمل ما يسمى بشبكة الآمان الاجتماعي لهم Safety Net ويتم تغطيتهم كاملاً من قبل الدولة، وكان يشرح لنا ولسمو الامير ببساطة متناهية هذا المفهوم المعقد للتأمين الصحي الشامل، وبعد فترة قصيرة تم تعيينه وزيراً للصحة حيث اصطدم بواقع القطاع الصحي وتحدياته ولم يتمكن من تحقيق هذه الافكار.

ان محاولات تبسيط هذا المفهوم المعقد للتأمين الصحي الشامل في الواقع الاردني الذي يتعدد فيه مقدمو الخدمة وتتمايز فيه مشاركة الفرد في تمويل الخدمات المقدمة كما تتمايز المنافع التى يحصل عليها في كل قطاع لا يمكن ان يحل من خلال ندوة اومؤتمر دون اخضاع هذا المشروع الشعبوي بامتياز لدراسة مستفيضة من قبل مختصين لسبر غور جوانبه المتعددة والمتشعبة ومؤسساته المختلفة وتغطياته المتعددة المستوى وتحديد فئات التغطية السكانية على ارضه للوصول الى مفهوم واضح لهذا المصطلح يقودنا الى خارطة طريق لتحقيق التغطية الصحية الشاملة.

ان مجموع ما ينفقه الاردن على الخدمات الصحية المقدمة للقطاع العام والخاص يقارب المليارين ومائتي مليون دينار حسب آخر الاحصائيات، وهناك قسم من الاردنيين غير مغطى تصل نسبتهم الى 30%، وفي حالة تغطيتهم سيتجاوز رقم الانفاق الى ثلاثة مليارات فهل ميزانية الاردن تتحمل ضخ الجزء الاكبر من هذا الرقم. ان بريطانيا العظمى التي تطبق المبدأ الاشتراكي في الصحة بدأت بالتراجع منذ السبعينيات عن هذا المفهوم وادخلت فكرة خصخصة جزء من اسرة المستشفيات لمن يريد الحصول على خدمة سريعة مقابل مبلغ رمزي فهل سيكون نظامنا الصحي مزدوجاً كهذا النظام ام حسب النظام الاميركي الذي يقوم على اساس تأمينات القطاع الخاص ومن لا يستطيع شراء تأمين صحي له فهناك تأمينات خاصة بالاطفال والفقراء وذوي الدخل المحدود Medicare & Medicaid.

ان موضوع التأمين الصحي الشامل اصبح مادة شعبوية يستمتع من يرفع شعاره وترتفع توقعات من يستمع لها ولكن تطبيقه بعيد المنال لعدم وجود محاولات جدية لتوضيح حيثياته للجمهور كما ان دراسته والتمهيد لتطبيقه مرتبطة عضوياً باعادة هيكلة القطاع الصحي الاردني وهذا يحتاج الى قرار والتزام حكومي على اعلى المستويات.