عمان - ناجح حسن



ظلّت حكايات «الف ليلة وليلة» وجهة لعديد من صناع الأفلام بالعالم، وذلك لما امتلكه هذا السفر الأدبي البديع من عوالم سحر الشرق، وما يفيض به من خيال رحب ومغامرات وغرائب الشخصيات تتمازج في علاقات تنهض على عناق الثقافات.

وتباينت اشتغالات الأفلام بين مخرج وآخر، وذلك حسب ما يتوفر من امكانات وأساليب إنتاجية في هذه البيئة الاجتماعية أو تلك، فهناك أعمال من نتاجات السينما العربية مستوحاة من «ألف ليلة وليلة»، مثلما كانت أيضا نتاجات السينما المصرية والهندية والتركية، وبالطبع من السينما العالمية الآتية من إستوديوهات فرنسا والمانيا وهوليوود وايطاليا والاتحاد السوفييتي السابق.

منذ السنوات الأولى لبزوغ فجر دنيا الأطياف والأحلام العام 1895، تنبه صناع السينما إلى ما تنطوي عليه حكايات «ألف ليلة وليلة» من غرابة وفرادة وتشويق وإثارة تضفي على الفن السابع إبهارا ومتعة وبهجة، ففي الكثير من حكايات «ألف ليلة وليلة» جلّة من المفاجأت، التي تتأسس على أحلام وتطلعات ثقافات إنسانية متعددة، تحضر فيها عوالم الحكّام في قصورهم الباذخة، والمهمشين في حراكهم الدؤوب بالشوارع والأزقة والساحات والمنافي، فضلا عن وجدانيات العشق والصدّ والغياب، كل ذلك يسري في أزمنة وأمكنة متباينة تعج بشحنات الخيال واحاييل الخداع والألغاز والاختراعات البدائية التي تختزل الإكتشافات الحديثة في وقتنا الراهن، في اتكاء على مؤثرات خاصة وتقنيات تصوير وتحريك متعددة الاشكال والاساليب بحكم العصر الذي انجزت به تلك الأفلام.

في خضم هذه الحالات، احتشدت الافلام المستمدة عن هذا السفر التراثي بأصناف من السرد والغناء والرقص والإحتفالات والطقوس والمهرجانات وعروض الشارع، وغير ذلك من تعابير الترفيه البدائية في المجتمعات القديمة، والتي بدورها سلبت مخيلة المتلقي آنذاك وقادته الى حمى التعلق بالصحراء وانماط العيش فيها وما يتمتع به الانسان هناك من مزايا تؤشر على القوة والجمال والإيثار.

الفارس الشجاع الأمير أحمد

ومن بين الأفلام الأولى التي قدمت عوالم «الف ليلة وليلة»، كان الفيلم المعنون «الموت ضجرا» 1924 للمخرج الذائع الشهرة والصيت فريتز لانغ احد ابرز رواد السينما التعبيرية الألمانية التي أحدثت ثورة في تقنيات وجماليات السينما، فقد جمع الفيلم في أحداثه تلاوين من الثقافتين الشرقية والأوربية وما بينهما من فروقات في التفكير، وذلك في إطار خيالي يعتمد علي المؤثرات الخاصة واللعب بالظلال وتكوينات سمعية بصرية.

ومن المانيا ايضا كان الفيلم الألماني «الأمير أحمد» للمخرجة لوتي راينغير العام 1926، الذي تزامن مع الفيلم الهوليوودي «لص بغداد» اخراج راول وولش–أدى الدور الرئيسي فيه نجم الحركة دوجلاس فيربانكس - اول فيلم عالمي مصنوع من الرسوم المتحركة، عن عوالم قصص وحكايات «الف ليلة وليلة»، يتحدث عن الفارس الشجاع الأمير أحمد ومواجهته للساحر الشرير الذي يحاول ان يبادل حصانه الطائر مقابل ابنة الخليفة الجميلة، وهو ما يؤدي به جراء حيلة من الساحر أن يطير من الحصان باتجاه جزر (الواق واق) المليئة بالسحر والأعاجايب.

جاءت اسلوبية تلك النماذج الريادية في تاريخ السينما، مفعمة بتلك المشهدية التي تغرف من فنون خيال الظل المتعارف عليها في الحضارة الشرقية، والتي امضى صانعوها من مخرجين وتقنيين سنوات طوال في العمل عليها بدقة واحتراف ومهنية عاليي المستوى من الإعداد والتفكير والإشتغال الفني على الصورة واللون، جرى أحيانا بشكل يدوي فطن، لاستلهام اجواء وشخصيات خيالية موغلة في سحر الشرق وجاذبيته، الذي يفيض من بين ثنايا سرديات هذا السفر القصصي البديع، في الوقت الذي غابت فيه السينما العربية عن إظهار أي جهد ابداعي في محاكاة عوالم «الف ليلة وليلة» الاّ ما ندر في عدد محدود من الافلام القاصرة والعاجزة والهابطة المستوى على الصعيدين الجمالي والدرامي، كما ظهر في أفلام: «نور الدين والبحارة الثلاثة» لتوجو مزراحي في اربيعينات القرن الفائت و«الفانوس السحري» لفطين عبد الوهاب وفيلم «ألف ليلة وليلة» للمخرج حسن الإمام والاخيرين من نتاجات ستينيات القرن الفائت.

عجائب الجن والسحر

رأت هوليود وجهة صناع السينما بالعالم، إلى ثراء «الف ليلة وليلة»، وما يتمتع به هذا الموروث السردي من أفكار وقيم ورسائل انسانية موزعة في الإتجاهات كافة مدعمة بالوان من المخلوقات العجيبة والخيال الرحب، الذي تتشكل فيه الصور السينمائية على نحو يثير رغبة وتشويق رواد السينما، بأبعاد من عجائب الجن والسحر والحيوانات والبشر بهيئات وتحولات مليئة بالرؤوس الضخمة الخالية من الشعر حيناً، والكثيفة الشعر على باقي اطراف الجسد حينا آخر، مثلما هناك عيون جاحظة وفوقها حواجب وأيد وأقدام غليظة تتحدى في جبروتها وقسوتها افرادا عاديين وبسطاء لا يمتلكون من القوة سوى الدهاء والفطنة والأمنيات المتحققة من خلال قطعة من السجاد يجوبون عبرها فضاءات البحار والمحيطات والجبال والسهول والوديان في أمكنة بعيدة، كل ذلك يأتي من مصباح سحري يخرج منه بخار يتلوى قبل ان يكشف عن مخلوق عجيب ذي طاقة جبارة يمنحها لمن يمتلك المصباح، ومن خلاله يجري ايجاد حلول لمشكلات عسيرة في مناخ من المغامرة والتشويق الذي يقوم على التتبع والتعقب والمطاردة داخل اسواق وباحات وازقة ضيقة ملتوية وبيوتات تبدو فيها أساليب العمارة الشرقية في القصور المزينة بمناراتها البديعة وتكويناتها الهندسية الخلاّبة المصحوبة بجماليات أشجار النخيل الباسقة والحدائق الغناء المنتشرة على ضفاف الأنهار، لكن للاسف اغلب هذا كلّه جرى تقديمه على الشاشة البيضاء ضمن مواصفات معهودة وصور نمطية عن الشرق عموماً والعرب خاصة، ولئن حادت عنه افلام أخرى مغايرة، على غرار ما تحقق في الفيلم البريطاني الكلاسيكي «لص بغداد» الذي اسهم في اخراجه ألكسندر كوردا، الى جوار عدد من المخرجين، وهو واحد من بين الأفلام اللافتة التي نجحت في استلهام حكاية علاء الدين والمصباح السحري.

سرديات بصرية متباينة

وتمضي استوديوهات السينما العالمية، في تنويع نتاجها الوفير من الأعمال السينمائية برؤى متباينة من الإشتغالات على سرديات «الف ليلة وليلة»، التي دارت حول قصص وحكايات: «علاء الدين والمصباح السحري» و«شهرزاد» و«علي بابا والأربعين حرامي» و«رحلات سندباد» و«لص بغداد»، بدءاً من عهد الفيلم الصامت، ومرورا بحقبة اللونين الأبيض والأسود، ووصولاً إلى عهد قريب، كما في فيلم «ليال عربية» للبرتغالي ميغويل غوميز، وحديثا فيلم «علاء الدين» للمخرج غي ريتشي، انتاج ضخم من استوديوهات (والت دزني)، صورت بعض اجزائه في الأردن، وأضطلع بأدواره الرئيسة، النجم الهوليودي الشهير ويل سميث وإلى جوارهة الممثل الكندي الشاب المصري الأصل مينا مسعود والممثلة البريطانية نعومي سكوت، وهو ما سنتوقف حول أحداثه وعناصر لغته السينمائية والدرامية في مقال قادم.