نتذكّر أنّ الرئيس السابق لهيئة النزاهة ومكافحة الفساد قال إنّ هناك «أكواماً» من الملفات التي حوّلت إلى الهيئة، وبدا وكأنّه يشكو من التسرّع في ادراج قضايا معيّنة تحت بند الفساد وهي ليست كذلك، والمعروف أنّ هذا الأمر يأخذ الكثير من الوقت، والجهد، وكان بالامكان تحويل بعضها إلى القضاء مباشرة.

وفي الأخبار أنّ رئيس الوزراء وافق أمس على إحالة ملفّ الإجازات المرضيّة والإداريّة لأحد موظفي مديرية صحّة محافظة مأدبا، والبالغة عددها 89 يوماً، إلى هيئة النزاهة ومكافحة الفساد، بعد أن تبيّن حصوله على العديد من أيّام الإجازة دون سند قانوني، وغيابه وسفره خارج البلاد في الفترة ذاتها.

هناك الكثير من القضايا المشابهة التي يُعلن عنها في الأخبار، وفي تقديرنا، أنّها ليست من أفعال الفساد، ويمكن تكييفها قانونياً تحت بنود أخرى متواجدة في القوانين الأردنية المختلفة، وليس بالضرورة أن يكون كلّ التجاوزات التي شملها تقرير ديوان المحاسبة فساداً، وبالتالي أن تُحوّل إلى الهيئة التي ينبغي لها أن تتخصّص في ما تأسست من أجله أصلاً.

نفهم أنّ الحكومات تُريد دائماً أن تُروّج لنفسها باعتبارها حاملة لواء محاربة الفساد، فهذا عنوان مُحبّب للشارع، ويستدرج الشعبية، ولكنّه قد يحمل أثراً عكسياً، ومن تجارب كثير من الدول المتقدّمة في هذا المجال، أنّ التوازن ينبغي أن يكون هو العنوان، وألاّ نقوم برفع سقف التوقعات عند الناس إلاّ على أسس مهنية وحرفية دقيقة، وفي الوقت نفسه ألاّ نُغرق المؤسسات المعنية المستقلة بالعمل غير الضروري، الذي قد تقوم به جهات أخرى.

هيئة النزاهة ومكافحة الفساد تأسست بعد مخاض طويل، وأمر بها جلالة الملك شخصياً برسالة إلى رئيس حكومته بعد الإطلاع على التجارب الدولية الناجحة، وعلى الجميع الاعتراف أنّها إنجاز وطني بامتياز، وهي ما زالت تتعلّم من تجاربها على أرض الواقع، وتُعيد إنتاج التشريعات والممارسات حسب الحاجة الوطنية، وأقلّ حقوقها علينا أن ندعمها بتمكينها بالمال والكوادر، لا أن نُغرقها بالغثّ مع السمين.

ويبقى أنّ علينا الاعتراف بأنّ ترتيبنا الدولي ما زال متأخراً بعد أن تقدّم سنوات، ورجعت علامتنا تحت الخمسين من مئة في امتحان الفساد، وهذا يعني أنّنا ما زلنا راسبين، ونريد أن نتقدّم بالمضمون لا بالشكل، وبالواقع الحقيقي لا بعناوين الصحف العريضة في الصفحات الأولى، وللحديث بقية!

basem.sakijha@gmail.com