لم أتابع عن قرب إنطلاقة تجمع (التغيير) لأنني كنت ولا أزال في الخارج، ولكن شعرت بشيء من (الإلتباس) لأن هذا العنوان أو الاسم يحمله تشكيل سوداني مستجد، بعد أن بدأ ربيع السودان بدون رعود ولا عواصف بقيادة الرجل العظيم فعلاً الصادق المهدي الذي بقي رمزاً كبيراً في مسيرة سودانية اصطدمت بعديد الإنقلابات العسكرية آخرها إنقلاب عمر البشير..

أبداً.. وإطلاقاً فإنني لا يمكن أن أقارن بين هذا الإنسان الوطني الكبير أحمد (باشا) عبيدات وبين البشير، الذي كان قد تحالف مع (الشياطين) ليبقى يحكم بالحديد والنار كل هذه السنوات، ولكن تحاشياًّ لأي إلتباس مصطنع ومقصود أو حقيقي فإنني كنت أفضل أن يكون عنوان هذا التشكيل السياسي الجديد، الذي من قلبي أتمنى له النجاح كله، (الإصلاح) وليس (التغيير) فلكلٍّ من العنوانين معنىً يختلف عن المعنى الآخر.

وذلك مع أنه لا يحق لأيٍّ كان لا الصديق الصدوق ولا العدو: (وما أكثر الإخوان حين تعدهم ولكنهم في النائبات قليل) أن (يزايد) على الباشا أحمد عبيدات الذي بدأ ضابطاً صغيراً في المخابرات الأردنية (في الجيش العربي) ثم بقي يرابط في خنادق الدفاع عن هذا الوطن الغالي لسنوات طويلة، وبقي يتدرج في مواقع العطاء إلى أن أصبح رئيساً للوزراء.. ويقيناً أنه قد بادر إلى هذه المبادرة المباركة الأخيرة من أجل مواصلة الدفاع عن هذا الوطن الذي مكانه في سويداء قلب كل مخلص وغيور.

ربما إنَّ (الباشا) لا يذكر هذا وهو بالتأكيد لا يذكره، فالمسألة تعود إلى النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، إلى العام 1966 وأنا كنت طالباً مبتدئاً في الجامعة الأردنية التي كان رئيسها المربي والمبدع العظيم الدكتور ناصر الدين الأسد، رحمه الله، حيث جرت حملة إعتقالات شملتني لأنني كنت (بعثياًّ).. ومسؤولاً عن التنظيم في هذه الجامعة، وهذا بالإضافة إلى مسؤوليات أخرى أكثر أهمية.

كانت التحقيقات على ما أعتقد تجري في هذا المبنى الذي أصبح مقراً لرئاسة الوزراء بعد سنوات.. كان (أبو العبد) محمد رسول الكيلاني، رحمه الله، مديراً للمخابرات، وكان الأقسى عليَّ في التحقيق أحد أبناء مدرستي الذي كان يتقدمني بأربعة صفوف والذي لم أحقد عليه إطلاقاً لإنني كنت أقدِّر أنه كان يقوم بواجبه، وهنا فإنني أذكر أن (الملازم) الأول أو (الرئيس).. النقيب أحمد عبيدات كان دائم التدخل لمنع المحققين من التمادي في القسوة.. وبخاصة وأن كل شيء كان معروفا وأن ((الحياة الحزبية)) كانت في خريفها وأن حزب البعث العربي الإشتراكي كان إنقلاب الـ 23 من شباط عام1966 قد حطّم عموده الفقري.. والآن وإذْ إنني ((أترحّم)) ومن كل قلبي على (أبوالعبد) فإنني أدعو الله جلّ شأنه أن يمدّ في عمر (الباشا) القامة الوطنية الشاهقة وأن يسدد على طريق الحق والخير خطاه.