أبواب - وليد سليمان

يشعر الإنسان عند اقترابه من المسجد الحسيني الكبير بالمهابة والخشوع وبصفاء النفس، فهو درة الجمال الروحاني والمعماري بمآذنه الشاهقة وساحاته الواسعة وأشهر بيت من بيوت الله في عمان.

مئات المصلين في كل لحظة يعبرون عتباته الكثيرة للتعبد والتقرب إلى الله، وطلباً للغفران والرحمة والرضا والسلام.

مركز صحن المدينة

أصل المساجد ان تُبنى في صحن المدن؛ حتى يكون المسجد قريباً من جميع سكان المدينة.و هكذا كان موقع «المسجد الحسيني» في مركز وقلب عمان القديمة، وبُنِيَ سنة 1923عند تأسيس إمارة شرق الأردن، وقد وضع حجر الأساس له المغفور له بإذن الله الأمير عبدالله الاول، وأطلق عليه اسم والده الشريف الحسين بن علي.

وقد استخدم في بناء المسجد الحسيني خلطة اسمنتية لأول مرة في عمان، و اقتصر استخدامها بدايةً ببناء المئذنة الشرقية ذات الخوذة الحجرية، والتي دُمرت في زلزال 1927م، فجرى استبدالها بالخوذة الخشبية.

وفي أربعينيات القرن العشرين، جرى توسيع الباحة الداخلية للمسجد، وأقيمت في وسطه ميضأة ماء للوضوء، كما أضيفت المئذنة الغربية بارتفاع طابقين مشابهة للمئذنة الشرقية، ولكنها ذات خوذة حجرية، وفيما بعد أُجريت في المسجد إصلاحات وتجديدات واسعة في منتصف الثمانينيات.

زيارة للمسجد

وفي زيارة رمضانية قبل أيام للمسجد الحسيني، كان لنا ان نتأمل ملياً قبل الدخول للمسجد، ما يحيط به كالمتاجر والباعة والسيارات (...).

إنها حركة الحياة العامرة من بيعٍ وشراءٍ للعطور والعطارة والكتب الدينية والثقافية والمسابح والطواقي الشعبية(...).

وبعد صلاة «تحية المسجد» تحدث أحد مسؤولي المسجد عن مظاهر رمضان في هذا المكان الروحاني فقال: «تنشط دار القرآن التابعة للمسجد بتحفيظ كتاب الله وأحكلام التلاوة والتجويد لمن يرغب بذلك، ومن ضمن حرم المسجد هناك المكتبة في الطابق العلوي التي تستقبل قراء الكتب الدينية والتراثية وآداب اللغة العربية».

ويضيف: «بعد صلاة العصر يعقد درس ديني تثقيفي، حيث يجلس المستمعون وأحد الفقهاء في الدين، وعندما ينتهي الفقيه من إلقاء درسه يبدأ الحضور بطرح الأسئلة حول أمورٍ شتى أكثرها حول مسائل تهم الصائمين في رمضان».

ويشير إلى أنه: «يزداد الوافدون إلى المسجد في رمضان للصلاة والاستراحة وقراءة القرآن و قراءة الأدعية وصلوات النوافل».

ويلفت إلى أنه: «بعض المصلين يبقون حتى يحين آذان المغرب، حيث يوفر المسجد التمر والماء للمصلين الصائمين، وفي أحيان أخرى يأتي المحسنون بطعام الإفطار الرمضاني «وجبة لكل شخص» في المسجد».

ويوضح: «أما في صلاة التراويح فهناك من الأئمة من يصلي بالناس عددا من الركعات قد تكون ثماني أو عشر ركعات أو أكثر، وعندما يبدأ المصلون بالخروج من المسجد تجول أنظارهم بين المعلقات الجميلة المضاءة بالنجوم والأهلة الاسلامية التي تحيط بالشوارع والأسواق من حول المسجد».

في الثلاثينيات والاربعينيات

ولهذا المسجد الحسيني الشامخ كلمات خالدة يرددها المؤذنون من مآذنه الشاهقة في كل وقت من أوقات الصلاة.

وله ذكريات وحكايات عبر السنين والأيام العطرة من تاريخ الاردن وعاصمته عمان.

ففي فترة من القرن الماضي كان سكان مدينة عمان بمجملهم يصلون في هذا المسجد معظم الصلوات، إذ كان الرجال يعتبرون المسجد الحسيني عالمهم الخاص في النهار، بمواظبتهم على تأدية صلاة الظهر والعصر، والاستماع الى المواعظ التي كان يقدمها شيوخ المدينة أمثال:

الشيخ حسن المغربي، الشيخ عزيز شعيب، الشيخ خضر الشنقيطي، الشيخ حمزة العربي، عبدالله ابو غوشة والشيخ محمد الراميني».

وخلال الأسبوع الأول من أيام شهرمضان كان الأمير عبدالله الأول ابن الحسين يقوم بزيارة الجامع الحسيني ليستمع الى تلك المواعظ، ويؤدي الصلاة مع جموع غفيرة من المصلين، واذا ما خرج من المسجد يتلقى مظلمات المواطنين، وذلك في ثلاثينيات القرن الماضي.

الطرق الصوفية

هناك ظاهرة روحية فريدة قد سادت رمضان في عمان قديماً، وهي أن شيوخ الطريقة واتباعهم من الضاربين على الطبول والدفوف كانوا يحيون الذكر كل يوم خميس في صحن الجامع الحسيني بعد صلاة العصر،

ثم ينصرفون إلى أماكنهم مارين بشوارع مدينة عمان، وهم ينشدون ويضربون على طبولهم، وإضافة إلى ذلك كانوا يحيون الذكر في بيوتهم في كل ليلة من ليالي شهر رمضان، ويُذكر منهم الشيخ محمود الطهراوي ابو سالم الذي كان يسكن في حي وادي سرور القريب من المسجد.

وعندما يحين موعد الافطار الرمضاني في عمان قديماً كان يجتمع افراد العائلة على مائدة الافطار, ويتصدر المائدة رب العائلة - بعد أن تقوم العائلة بسكب صحون خاصة للمجاورين الفقراء من سكان الحي - وبعد الافطار يشرب الصائمون السوس، ويأكلون القطايف المقلي بالسمن.

وبعد ذلك يتوجهون الى «الجامع الحسيني» من جديد لتأدية صلاة التراويح والاستماع الى ترتيل القرآن الكريم بصوت الشيخ سليم الكيالي.

أما نساء عمان فقد أخذن في أواخر الثلاثينيات يؤدين صلاة التراويح في الطابق الثاني من الجامع الحسيني، وأول من سَنَّ هذه السنة هو الشيخ محمد محمود الراميني.

وكان لهذا دلالة خاصة إذ أن سماح العلماء للنساء بالصلاة في الجامع، بالرغم من تفضيل الإسلام لصلاتهن في بيوتهن، مؤشر على تطور الحياة الاجتماعية في مدينة عمان قديماً.

أما في الليلة السابعة والعشرين من شهر رمضان فيستعد الناس لتوديعه، فتأخذ النسوة بالإعداد لتنظيف منازلهن، وصنع حلويات العيد ويقوم الرجال بإحياء ليلة القدر في الجامع الحسيني، بينما يأخذ المسحرون منذ هذه الليلة يوحشّون لرمضان بأطرف المدائح قائلين: «لا أوحش الله منك يا رمضان يا شهر الكرم والاحسان، يا شهر الخير والغفران».

في المكتبة

مئات الكتب ومجلدات الثقافة العربية الإسلامية، والأديان الأخرى ومعارف متنوعة، وجدناها في مكتبة صغيرة تقع في الطابق الثاني من مبنى المسجد وعند صعود الدرج العريض للوصول الى المكتبة كان علينا ان نسير حفاة في الممر العريض المؤدي الى بابها ليستقبلنا أمينها مرحباً وموضحاً أن: «هذه المكتبة أُسست في العام (1960) وكانت بسيطة جداً وغير عاملة، لكن في العام (1970) أُعيد تأسيسها وفتحها طوال النهار لتصبح مكتبة عامة للمطالعة الداخلية أمام الرواد بكتبها ومجلداتها الضخمة وبعضها نادر، ومجالها تاريخ العرب والإسلام بعلومه المتعددة».

ويقول أمين المكتبة: «الدين الإسلامي عقلي فآيات القرآن الكريم تطلب من الإنسان ان يفكر ويتدبر وينظر ويتأمل ويعتبر ويستنبط، ونقرأ في الاحاديث مثلا: مداد العلماء خير عند الله من دماء الشهداء،الكلمة الحكمة ضآلة المؤمن فحيث وجدها فهو أحق بها،ومن خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع».

وعرفنا أيضا؛ أن زوار ورواد وقراء كتب ومجلدات ومراجع هذه المكتبة هم من المثقفين والمحبين للمطالعة والقراءة، وهناك أيضا طلاب المعاهد والجامعات، والزوار الأجانب.

وفي المكتبة شاهدنا كتباً متنوعة ومتعددة، فكل كتاب له قيمة كبيرة، فهناك من يقرأ الكتب التاريخية عن المعارك والأحداث والأحوال الاجتماعية والصناعية والثقافية.. الخ.

وهناك الكتب الفكرية التي تتحدث عن مكانة وأهمية العقل والتقدم والعدالة والحرية والفلسفة، وهناك كتب سِير وتراجم الشخصيات البارزة والمؤثرة في مسيرة وركب حضارتنا الاسلامية الشامخة.

في علوم القرآن

وتوجد أيضا المجلدات والعديد من الكتب الخاصة بـ(علوم القرآن) التي تضم اختصاصات مثل:

أسباب النزول، جمع القرآن، الناسخ والمنسوخ، البيئة المادية والاجتماعية للناس عندما نزلت الآيات.. وبذلك يتسنى لطالب العلم فهم نصوص القرآن فهما جيدا، ثم دراسة المفردات والتراكيب، وما طرأ عليهما من تطور اثناء نهضة الدولة الإسلامية دينيا وسياسيا وثقافيا.

تفسير وفقه وأحاديث

ومن تفاسير القرآن نذكر تفسير الجلالين، وهو تفسير مبسط للشيخين هلال الدين المحلى والشيخ جلال الدين السيوطي. وكذلك تفاسير القرطبي، الطبري، فتح القدير لمحمد بن علي الشوكاني، البحر المديد لابن عجيبة، البحر المحيط لمحمد بن يوسف الأندلسي، تفسير ابن عربي، وتفسير في ظلال القرآن للسيد قطب. وهناك تفاسير اخرى.

أما عن كتب (الفقه) الإسلامي فإنه يوجد الكثير جداً منها وهي تبحث في العلم بالأحكام الشرعية العلمية من ادلتها التفصيلية، ومنها كتاب «المدونة الكبرى» للإمام مالك والذي يعتبر مدرسة أو جامعة بحد ذاته.

أما كتاب الموافقات لأبي اسحاق الشاطبي فيبحث في إسناد الأحاديث النبوية، إلى جانب كتب: المجموع للنووي، المحلى لابن حزم وهو كتاب يبحث في الفقه والحديث، المدخل لابن الحاج وهو كتاب عام جامع يبحث في الفقه والآراء الفكرية والعلمية والبدع، وكشاف القناع لمنصور بن يوسف البهوتي، وتكملة المجموع وهو يتألف من (20) مجلداً للنووي، والمبسوط، ويتألف من (30) مجلداً لشمس الدين السرخسي، والمغني في الشرح الكبير لموفق الدين ابن قدامة المقدسي ولشمس الدين ابن قدامة المقدسي، وفيض التقدير وهو كتاب غير معروف جيداً للناس في تفسير الأحاديث، والفتاوى الهندية للشيخ نظام وجماعة من علماء الهند الأعلام، ويتحدث عن المشاكل والقضايا التي كانت تعترض المسلمين قديماً فيدونونها، والناس الآن يأخذون منها ما يوافق وما يتقارب من قضاياهم ومشاكلهم، وكنز العمال ويتألف من (16) مجلداً لمؤلفه الهندي، والعمال معناها هنا العاملين الصادقين في علمهم، وعون المعبود ويتألف من (13) مجلداً عن الأحاديث الصحاح.

وفي هذه المكتبة كتب لمواضيع أخرى في الثقافة الإسلامية والعربية ومنها كتب التصوف لعبد القادر الجيلاني، وابن عربي، وابو الحسن الشاذلي، واليافعي، والسهروردي، ابن الفارض، النفري، والغزالي حجة الإسلام.