عمان - فاتن الكوري

لكل مبدع طقوسه الرمضانية الخاصة، ولكل مبدع ذاكرته المشرعة على رمضان أيام زمان، ومن هؤلاء المبدعين الناقد والشاعر والأكاديمي د. محمد عبيدالله، أستاذ الأدب والنقد العربي في جامعة فيلادلفيا، عضو رابطة الكتاب الأردنيين. أسهم في المشهد الثقافي الأردني والعربي من خلال كتاباته النقدية والإبداعية، أسس مع عدد من زملائه جماعة أجراس الشعرية، ونشر ديواني شعر (مطعونا بالغياب، وسحب خرساء)، وله ما يزيد على عشرة كتب نقدية تتعلق بنقد السرديات والقصة القصيرة والتراث العربي.

الرأي حاورت عبيدالله حول رمضان بطقوسه وذكريات طفولته:

كيف كانت طقوس استقبال هلال رمضان في طفولتك؟

كنّا نراقب السماء بحثاً عن الهلال، فقد نحظى برؤيته رؤيا العين، نفرح كأننا حظينا بامتياز كبير إذا كانت السماء صافية وكان ظاهرا شفيفا حنونا. ولكن المذياع غالبا ما يقطع الشك باليقين، وحينها يتهيأ الجميع صغاراً وكباراً للدخول في عالم الشهر الفضيل، بالصوم أولا، وبما يرافقه من عبادات، ومن قيم تشعر الجميع بالتعاون وبالتكافل. كانت البساطة والطيبة عنوان مجتمعي الرمضاني آنذاك».

كيف تعودت طقوس الصيام، وكم كان عمرك عندما صمت لأول مرة؟

«تدرّبت على الصوم في الريف حيث يتعلم المرء الصبر والتحمّل، وتكون الحياة جادة بشكل بديع، ربما في سن السادسة أو السابعة، كان النهار طويلاً جداً مع حرارة الأغوار اللاهبة، وكان الدرس كاملا خاليا من أية تسهيلات. كان الجيران يفطرون معاً إفطارا جماعيا تعاونيا، مما تيسّر لهم من طعام بسيط بعيد عن مبالغات أيامنا الحالية وشراهتها الغريبة».

كيف تمارس طقوس رمضان هذه الأيام؟

بعد أكثر من أربعة عقود تغيرت أمور كثيرة، ولكني أتذكر اللقاءات الأولى من رمضان ومعانيها وصبرها، وقد حرصت على أن يحافظ أبنائي على الصوم منذ صغرهم، وأن ينالوا شيئا من بركته ودروسه. وقد هيأوا (هلالاً) ضوئياً مما يشيع استعماله هذه الأيام لاستقبال الشهر والإحساس بأجوائه المختلفة».

هل تحتل القراءة مكانتها في طقوسك الرمضانية؟

وأضاف عبيد الله متحدثا عن القراءة في رمضان: «إلى جانب قراءة القرآن الكريم وتفاسيره أقرأ بعض الكتب المؤجّلة التي تحتاج بعض التفرّغ، كذلك أخصص بعض ساعات النهار لقراءات أكثر يسراً مثل الروايات والقصص والأعمال الأدبية، وأواصل العمل على بعض المخطوطات غير المكتملة من مؤلفاتي. رمضان من الشهور التي أعمل فيها بنشاط خلافا للصورة الكسلى التي شاعت في الوقت الراهن، مستندا إلى معانيه ودروسه الجوهرية، بعيدا عما شاع خطأً من ربطه بالولائم والأطعمة والنوم والمشاجرات النهارية. والأمرّ من ذلك تبادل صور البذخ والترف واللهو الزائف وتداولها عبر وسائل التواصل في سباق وتنافس محموم، يدل على الجهل بقيم هذا الشهر، وأنه شهر مجاهدة النفس وضبطها».

الجوانب الفنية من أهم الطقوس في رمضان؟ ماذا تشاهد أو تتابع؟

وعن متابعاته ومشاهداته والجوانب الثقافية والفنية في رمضان قال: «أقرأ وأكتب، ولكني لا أتابع التلفاز من سنوات طويلة، وأنا كذلك لا أستخدم وسائل التواصل لما تتسبّب فيه من هدر الوقت والوقوع في فخ الثرثرة والهذر. وأنصح بأن يصوم الناس عنها في رمضان ويفرغوا لغيرها من شؤون حياتهم وأسرهم. أهم قيمة ثقافية في رمضان هي التواصل الحقيقي، الذي تسمّيه ثقافتنا (صلة الرحم)، أما النشاطات الثقافية الاعتيادية فيكفيها الشهور الأخرى من السنة، كذلك شهر رمضان ليس شهر (المسلسلات) المكررة وبرامج المسابقات السطحية، وليس شهر النوم المؤجّل، كل هذه العادات الاستهلاكية لا صلة لها برمضان وإنما هي تحرف رمضان عن معانيه الأصلية الراقية. نحتاج في هذا الشهر الفضيل أن نصوم عن كثير من التفاهات التي ألمّت بحياتنا، وأن نتذكّر أن فئات كثيرة في مجتمعنا من الأيتام والمحتاجين وممن تقطعت بهم سبل الحياة ينتظرون أن نستذكرهم بعدما نسيهم أكثرنا طوال العام!».

رمضان يستحق أن يكون مختلفا متميزا، نخصصه لأمور أخرى، كأن يكون فرصة للتأمل ومراجعة النفس، وتفقّد المحتاجين والمعوزين من أبناء مجتمعنا، أليس في ذلك كفاية، خاصة وأن نشاطاتنا غالبا كلامية ونظرية، على مدار السنة.

وختم عبيد الله انه غالبا يمضي رمضان مع الأسرة والأهل، وقليل من الأصدقاء، باعتبار رمضان مراجعة النفس ومجاهدتها ومحاسبتها قبل كل شيء.