الزرقاء - ريم العفيف

اعتبر أكاديميون وكتاب ومثقفون أن المشهد الثقافي المحلي يحتشد بالشعراء الذين باتوا ضيوفا في الأمسيات الأدبية والفعاليات الثقافية والوطنية، رغم افتقارهم للمستوى الشعري من الناحيتين الجمالية والموضوعية. مؤكدين أن شعرهم لا يعدو عن كونه نظما للأفكار والكلمات المكرورة لأغراض المجاملات حيناً، وحكرا على أعضاء النادي الذي ينتسبون إليه حينا آخر. لافتين في الوقت نفسه، إلى غياب الرؤية الحقيقية والحس الشعري السليم لدى غالبيتهم.

$ استطلعت آراء نقاد ومثقفين حول هذه الظاهرة:

وقال أستاذ الأدب الحديث في كلية الآداب د.عبد الباسط الزيود: أن ظاهرة غياب شاعر الوطن ظاهرة لافتة بعد أن غيّب الموت أكثر هؤلاء الشعراء، و لست أعني بشاعر الوطن شاعر المناسبات الوطنية، و إنما ذلك الشاعر الذي يحترق بلهيب الأرض و المكان الأردني، لينشد أجمل القصائد بحب بلاده، هو ذلك الشاعر الذي يصدر عن إيمان بوطنه و قضاياه و همومه ورؤية لأصالة تكوينه و محبة لجذوره؛ ليرتفع بالوطن من كونه أرضاً وتراباً إلى أنسنة المكان الأردني ليحمل شوق الأردنيين إلى نماذجهم الأصيلة و الراقية وطنياً.

ويعتبر الزيود إن غياب هؤلاء الشعراء يرتد لسببين مباشرين، الأول: غياب الرؤية الفكرية و الثقافية لكثير من شعراء هذا الجيل للمفاهيم العميقة لمعاني الوطنية بعيداً عن شعر المناسبات، والثاني: غياب الرعاية الرسمية التي تنصرف في الغالب لتبني صوت واحد كما هو هذه الأيام و لغاية وظيفية واضحة وإن كنت أقرُّ بقدرة هذه الشخصية الشعرية.

وأضاف الزيود أن الشعراء الموهوبون والواعدون موجودون ولكن تنقصهم الرعاية الرسمية، مبينا أهمية حرص مهرجان جرش على تقديم مثل هذه الوجوه؛ لإفساح المجال أمامهم كي يظهروا قدراتهم الشعرية.

وأرجع الزيود سبب رداءة الشعر و ضعفه هذه الأيام لأسباب عدة منها الثقافي؛ فشعراء هذا النوع يفتقدون لأصول الشعرية المعتمدة على جناحين رئيسيين هما الثقافة والموهبة؛ فيستعجلون على أنفسهم ويخرجون نصوصاً رديئة تفتقد للروح الشعرية وتركن للبعد الموسيقي والوزني فقط !. ومنها الفكري إذ يفتقد جلهم للرؤية الفكرية التي يصدر عنها نظمهم؛ فالشعر دون فكر يسقط في فخ النظم وهو دون الشعر بكثير فالنظامون كثر والشعراء قلة!. وثمة سبب ثالث يرتبط بغياب الموهبة الشعرية الفعلية عند جل هؤلاء!.

من جانبها، قالت أستاذة علم اللغة في الجامعة الهاشميّة د.نهلة الشقران: إن الشعر الحقيقي ينبع من ذات متّصلة بالمجتمع، تعلو بقيمه وتشحذ هممه، فإن كان الشعر شعورا فرديا في الدرجة الأولى فهو بلا شك يعكس الشعور الجمعي، ويرى بمنظوره العام ما تصوّره الذات الخاصة من عواطف إنسانيّة بحتة أو قوميّة خالصة، فكلّ واحد فينا يرى في وطنه المعشوق الأوّل، وأكثر ما يظهر هذا الشعور حين يغترب ويبتعد عن منبت رأسه، فيصبح عطشا لكل حرف يبثّ فيه مياه الحياة، ويرتوي بحسّ الوطنيّة العالي حين يجد شاعر وطن يقول ما لم يستطع لسانه التعبير عنه، فيكون صوته الحاضر.

وأوضحت الشقران بأننا اليوم في أمس الحاجة لشاعر الوطن للشعر الوطني من دور في استنهاض الهمم، وبث حب الوطن وفدائه بالروح في نفوس الأجيال الصاعدة، في زمن تعتريه العولمة والحوسبة والأبطال الخياليّة الكاذبة.

وخلصت الشقران إلى القول: نحن نريد إنسانية صادقة لتوقظ الضمائر الميّتة وتحيي المشاعر النبيلة في وجدان الشعب، نريد من يخرج الإنسانيّة القابعة بالفطرة فينا، وتوجيه طاقة الشباب نحو بناء وطنهم الإحساس بحبه الذي يسري بالعروق. وهذا لا يتأتّى إلّا بتضافر الجهود من كل صوب، التربية والتعليم والمؤسسات كلّها تستطيع بناء إنسانيّة قويّة ينبت فيها شاعر الوطن من جديد، وتزداد ثقة الشعب بوطنه أولا وقدرته ثانيا على التغيير الايجابي.

أما الناقد محمد المشايخ فبين أن غياب شعراء الوطن عائد إلى وفاة عدد منهم، أمثال الشعراء: سليمان المشيني، حبيب الزيودي، حسني فريز، سليمان عويس. مستدركا بالقول: على أرض الواقع ما زال لدينا عدد كبير من الشعراء الوطنيين على غرار (حيدر محمود ونايف ابوعبيد) وشعراء آخرين يجمعون في كتابتهم بين موضوعات وطنية وموضوعات أخرى عامة، كما أن لدينا ثروة مهمة من الشعراء النبطيين الذين يكتبون قصائد لعدد من الفنانين الملتزمين كعمر العبداللات، ومتعب الصقار، وماجد زريقات الذي يكتب كلمات أغانيه بنفسه. وهنا ننوه بدور الراحلين توفيق النمري وفارس عوض في إشهار الأغاني الوطنية.

ما جانبه، أكد الشاعر محمود أبو عواد أن الوطن بحاجة إلى شاعر ينحاز لهموم وتطلعات إنسانية شريطة أن يكون هم الوطن رائده. مبينا انه رغم وجود العديد من الشعراء الوطنيين، إلا أن هناك خللاً في توظيف الشعر الوطني الذي أضحى شعرا مكرورا بتعابير مجانية.

ودعا أبو عواد إلى وجود الشعراء الوطنيين الذين يريدون الأردن عزيزا كبيرا مشرعة أبوابه على أمته. لافتا إلى المضامين الضحلة للبعض ممن يتصدرون المنابر فهم من الناظمين وليسوا شعراء.