عمان - شروق العصفور

يقدم د. خالد الكركي رئيس مجمع اللغة العربية الأردني عبر صفحات كتابه الصادر حديثا تحت عنوان «معركة الكرامة»، تفسيرا لأسرار صمودنا في معركة الكرامة 1968م وانتصارنا العظيم على جيش الأعداء الصهاينة، من خلال قصيدة أبي تمام (حبيب بن أوس الطائي) في الشهيد محمد بن حميد الطائي قائد الجيش العباسي.

يحاول الكركي تأويل الروح التي طافت في فضاء المعركة، يقرأ تحليلات العسكريين والسياسيين، رغم وضوح رؤية المقاتلين المؤمنين، وروح التحدي والثأر اللذان يفسران شيئا من ذلك، لكن إرادة خاصة حسمت الأمر ورجحت النصر إلى جانب قواتنا.

ويشير الكركي إلى أن الذي قاله أبو تمام هو التأويل الذي اعتمده في محاضرة سابقة له بعنوان «الكرامة: درس في الخلق الوعر»؛ هذا التفسير «الخلق الوعر» يشير إلى حالة فردية في القصيدة، لكنها كانت في الكرامة حالة عنفوان إنساني جماعي إيماني لا يقبل التراجع، فاستحق أهل الكرامة هذا.

إنها قصيدة الجندي المجهول الذي قتل مجاهدا في سهول خرسان، يتنازع شرفها ألوف الإبطال الشهداء:

فتى مات بين الطعن والضرب ميتة

تقوم مقام النصر إذ فاته النصر

وقد كان فوت الموت سهلا فرده

إليه الحفاظ المر والخلق الوعر

ويكتب الكركي «وحين انجلى غبار النقع كانت كل شجرة في الدروب تنحني لنعوشكم وأعلامكم، وكل راية في الوطن تعلن أنها رايتكم وقد حضرت معكم الكرامة، وكل لواء في فضاء الأمة يرفرف على جنازاتكم الطاهرة».

ويضيف «يا بني، يسألونك عن الكرامة فقل لهم انها قناديل الزمن القومي ضد العتمة والنكسة وسائر حجج المنكسرين والمحبطين».

ويوجه الكركي كلامه للشهداء: يا أهل الكرامة الذين قاتلوا وساندوا جنودا ومواطنين، هذه الكتابة لكم وعنكم؛ عن أهل الخلق الكريم كما عرفكم التاريخ، وأهل الخلق الوعر كما عرفكم التاريخ نفسه حين تقبلون على حرب العدو وهزيمته وانتم تنشدون:

أسود صباح العدى يوم عليهم شين

وغبار يعمي ضعيف القلب عن حاله

ويقول الكركي: إنها الذكر الخمسون لدم يزهر في الذكرى نفسها كل آذار. لم تنته الحكاية بعد، والأردنيون الذين حضروا فتح عكا بكل ما لهم من جند وعزيمة، هم أنفسهم الذين استكملوا نشوء دولتهم بالدفاع عن فلسطين في باب الواد، واللطرون يوم كان الزمان شحيحا، والاستعمار فاردا ظلمه وعنجهيته، ولكنهم انتصروا باسم الله وظلت القدس حرة حاضرة.

ويطرح الكركي سؤال: ما البطولة؟ وما هو منطق الشهادة التي تعيد التوازن عندما تميد الأرض تحت الظلم والاحتلال! وكيف يغيب الخوف والموت! اليس الجواب لان البطولة خلود في الدنيا، والشهادة خلود في الآخرة.. والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.

ويزيد الكركي: هذه الروح الممتدة من بدر إلى زماننا هنا، وهذا هو نموذج الذين تكاملت فيهم صور البطولة والحرب والشهادة في ظل إيمان عميق. مضيفا » انتم كما عرفتكم الحياة كل فتى منكم كان عذب الروح وكان صابرا، وحين تقدم للحرب استشهد هو والصبر، وأي واحد منكم نقرأ سيرته في صرح الشهيد:

وما مات حتى مات مضرب سيفه

من الضرب واعتلت عليه القنا السمر