عمان - أماني الشوبكي

يتسمر الشاب ليث وادي قبيل ساعات الافطار أمام هاتفه منشغلاً بلعبته الالكترونية المفضلة «الببجي"؛ رافضاً إجبار اهله له لحضور الإفطارات الأسرية في رمضان، لأنها على حد تعبيره تشعره بالملل حيث يفضل الخروج مباشرة بعد الافطار لقضاء الوقت مع اصدقائه.

عزلة الكترونية يعاني منها العديد من الشباب كحال ليث، في الوقت الذي اكد فيه مختصون ضرورة السعي لإخراج الشباب من هذه العزلة وابعادهم عن وسائل التواصل الاجتماعي التي عمقت لديهم القيم الفردية والانشغال عن العلاقات الاجتماعية.

وشددوا على أن شهر رمضان فرصة ايمانية اجتماعية دينية يعيد فيها المجتمع بناء نفسه، وتجميع ما تفرق من علاقات وعاطفة خلال اشهر السنة.

واشاروا في أحاديث لـ (الرأي) إلى ان المائدة الرمضانية الجماعية الاسرية تشكل فرصة ثمينة لتنمية القدرة على التفاعل بين الشباب والاكبر سناً وتخرجهم من الوحدة والعزلة الالكترونية التي يعيشونها؛ اذ تشكل وسيلة رائعة للتواصل بين الأجيال وتبادل الحديث المتنوع وتعليمهم الكثير من العادات والتقاليد.

عالم رقمي

حسام زيد والد لشابين يرى أن التجمعات العائلية في رمضان فرصة لإشراك الشباب في المواضيع الاجتماعية وإخراجهم من عالم الخيال الرقمي الى العالم الواقعي.

ويضيف تجمعنا مائدة الافطار يوميا؛ اذ يعاني حسام ادمان أبنائه للالعاب الالكترونية على الهاتف الذكي وانعزالهم عن الأسرة لساعات طويلة خلال النهار فتتيح لهم «سفرة رمضان» تبادل الحوار ورؤية اولادهم ومراقبة سلوكهم عن قرب وملاحظة أي تغيير في حالتهم النفسية والتغييرات السلوكية.

الطالب الجامعي عدي مهيرات يجبره والداه على حضور الموائد العائلية في رمضان في حين يحاول هو عدم الذهاب دائماً لمثل هذه التجمعات لعدم شعوره بالاندماج مع افراد عائلته من ابناء العم والخال لتفاوت الاعمار والاهتمامات.

ويفضّل مهيرات البقاء في البيت والجلوس أمام «بلاي ستيشن» واللعب مع اصدقائه وتناول الإفطار وحده دون الجلوس مع الاقارب.

في حين اثنت الشابة حنين عمرو على دور والديها في زرع قيم هذا الشهر الفضيل وتجمع العائلة فيه حيث تقوم أسرتها بالإفطار دائما مع اجدادها واقاربها.

وتضيف «سعادتي كبيرة برؤية اقاربي ووالدي وقت الإفطار وهو ما نفتقده في باقي الأشهر بسبب الدراسة والانشغال».

ناريمان جمعة أم لفتاة في سن المراهقة تشير الى اهمية التقاء الشباب مع اسرهم في شهر رمضان، ما يعطي فرصة للأمهات والآباء لمتابعة أبنائهم عن كثب وإظهار اهتمامهم بهم.

ويقول الشاب عبدالله الطراونة إن رمضان شهر العائلة وشهر التجمعات الأسرية على وجبة الإفطار؛ خلافاً لباقي الشهور التي ينشغل بها الشباب في الجامعة ومع اصدقائهم ومع أجهزتهم الإلكترونية.

إرث اجتماعي

ويجبر السبعيني ناصر الشامي أبناءه وبناته على احضار احفاده في كل تجمع، حتى «يخرجوهم من الابواب المغلقة التي يحبسون انفسهم فيها تحت مسمى الاجهزة الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي ولكي يثروا عقولهم وألا يكونوا متلقين للمعلومات فقط» وفق قوله.

ويجبر الشامي في مثل هذه التجمعات اولاده واحفاده على ترك هواتفهم وعدم استعمالها الا للضرورة لانه يعتبر ان هذا الوقت هو للعائلة وتبادل الحديث.

مؤتمر ثقافي

استاذ علم اجتماع الاسرة الدكتور حسين محادين يقول إن «لمة العائلة والافراد في رمضان تمثل مؤتمراً ثقافياً وقيمياً مهماً يتفق مع خصوصية هذا الشهر وتمثل تفرداً في طبيعة التوقيت الموحد الذي يجمع هذه الاجيال المتباعدة زمنياً نحو لحظة وجدان وتقرب الى الله والى بعضهم البعض».

ويلفت الى ان ما يفتقده الشباب في هذه الايام هو انتظام مثل هذه اللقاءات والتي تنتقل خلالها الخبرات العائلية للأجيال ويصبح الشباب اكثر ادراكاً لقيمة العائلة والتجمع الاسري واكثر علماً بالعادات والتقاليد.

وعن دور التكنولوجيا في إبعاد الشباب عن التجمعات الاسرية يؤكد المحادين ان الشباب اسرى لهذه الوسائل والادوات فهي اكثر اغراءً للشباب وللتفاعل معها لانها تمنح الشباب الاطلاع على المعلومة المتنوعة في الوقت والصورة اللذين يريدهما. كما ساهمت هذه الوسائل في اختيار الشباب لاصدقائهم عابرين الجغرافيا واللغات ولذلك وسائل التواصل تمثل «شارعاً الكترونياً» يحوي كل العناوين الايجابية والسلبية منها.

ويشير إلى أن هذه الوسائل تعزز «الذات الفردية» لدى الشباب إذ يشعرون بكامل حريتهم وأنهم ليسوا مضطرين لأن يقدموا مادة ثقافية او اجتماعية تفاعلية في مثل هذه المناسبات وجها لوجه فتسهل لهم هذه الوسائل سهولة التعبير ما أضعف شخصياتهم.

فرصة إجتماعية

ويرى الاستشاري الإجتماعي الدكتور حسين خزاعي ان رمضان فرصة ايمانية اجتماعية دينية يعيد فيها المجتمع بناء نفسه وفرصة للناس والعائلة للالتقاء والاجتماع في ظل ظروف الحياة الحالية الصعبة التي أصبح فيها التزاور والتلاقي صعباً نوعاً ما.

ويوضح ان رمضان يتيح التلاقي بين العائلة الممتدة وإصطحاب الأطفال والشباب، مشددا على أن الأهمية تكمن هنا في الزيارات المتبادلة حيث تصبح الفرصة اكبر لإبعاد الاولاد عن التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي والضغط النفسي عليهم من متابعة المسلسلات والمواقع الاخرى.

ويشير إلى ان الاتصال الشخصي بين الاولاد والشباب يثري مخزونهم ويقربهم الى ارض الواقع ويجعلهم اقرب لبعضهم البعض ولاهاليهم ولمجتمعهم ولعاداتهم وتقاليدهم.