عمان - د. فتحي الاغوات



قال رئيس الوزراء الاسبق الدكتور عبدالرؤوف الروابدة إن ذكرى الاستقلال فرصة لمراجعة الواقع واستشراف المستقبل بزراعة الامل في النفوس وفي الوقت نفسه هي فرصة لاستعراض العقبات والتحديات التي علينا مواجهتها حتى يكون المستقبل افضل لاجيالنا.

واضاف أن الدولة الأردنية واجهت منذ نشأتها العديد من التحديات البنيوية الداخلية والخارجية، وتتعرض من حين لآخر الى تحديات طارئة مستجدة.

واكد ان واقع الحال يستدعي وضع خارطة طريق واضحة، وبرنامج وطني ذي أبعاد زمنية ثابتة، يتم إقراره على غرار الميثاق الوطني،وتشارك فيه كل القوى والفعاليات الوطنية، وتتبناه الحكومات بإعطائه صيغة تشريعية.

وبين في محاضرة ألقاها مساء أمس في الجامعة الأردنية بدعوة من مركز الدراسات الاستراتيجية ان من عناصر البرنامج الوطني ان يكون هنالك حكومات سياسية كفوءة إدارياً وفنياً، تمارس ولايتها العامة وفق أحكام الدستور والقانون، بالتعاون والتوازي مع السلطة التشريعية.

الى جانب وضع قانون انتخاب توافقي، و تشجيع الحركة الحزبية، من خلال قانون أحزاب، يضمن جدية تشكيلها واتساع قاعدتها، والتقليل من أعدادها بتوحيد المتماثل منها، لضمان دور فاعل لها في الحياة العامة والتطوير الجدي للإدارة العامة ووضع قانون جديد للإدارة اللامركزية، يضمن المشاركة في القرار، وعدم الاكتفاء بالمشاركة بالرأي، وتوفير تنسيق حقيقي بينها وبين المجالس البلدية باعتبارها مؤسسات أهلية وقوية الهيئات المسؤولة عن النزاهة ومكافحة الفساد، بأن تكون مؤسسات قضائية توحي بالثقة في جدية المكافحة.

إضافة الى: وضع خطة اقتصادية شاملة تكفل توزيع مكاسب التنمية بعدالة، والحد من الإنفاق ووقف مشاريع الهدر غير المجدية، وإقرار الخطة تشريعياً وتعزيز ثقة المواطن، وتوفير الانضباطية العامة وفق أحكام الدستور والقانون ووحدة التوجيه الديني عبر جميع مؤسسات الدولة، وتوفير كفاءات الوعظ والإرشاد، ومكافحة التطرف بنشر مبادئ الاعتدال والوسطية وإنشاء منظمة شبابية واحدة تجمع الجهود المتعددة، وتصعيد القيادات الطبيعية، وإعادة العمل بمعسكرات الشباب، ودعم الرياضة وتوحيد مرجعية الإعلام الرسمي، وتوفير القيادات المسيسة الكفوءة.

وبين ان التحديات الاساسية التي تواجه الاردن تتمثل في ثلاثة تحديات، اولها التحدي الجغرافي، والتحدي التاريخي،والتحدي الثالث القضية الفلسطينية، إذ يعد إن الأردن أوثق الأقطارالعربية ارتباطاً بفلسطين، وهو الأقرب لها من حيث التاريخ والجوار والعلاقات والمصالح والديموغرافيا، ولذا فإن قضية فلسطين قضية وطنية داخلية مركزية وقضية عربية في الوقت نفسه، فقد امتزج الشعبان عبرالتاريخ.

وتابع «انتهت الوحدة بقرار فك الارتباط الإداري والقانوني عام 1988 نتيجة النضال الفلسطيني لإبراز الشخصية الوطنية الفلسطينية، وإنشاء منظمة التحرير، واعتبارها عربياً الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. ولما صار السلام في المنطقة خياراً استراتيجياً،انضمت المنظمة للقافلة العربية، وانتهى الأمر بقيام السلطة الوطنية على أرض فلسطين ودخول عملية السلام في نفق مسدود».

وزاد أن هذا الأمر حمل الأردن مسؤولية مضاعفة ليحافظ على العلاقة مع الأهل ودعمهم، لحين الوصول الى حقهم في تقرير المصير وإقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

وأوضح أن النظرة العروبية تجذرت لدى الشعب والدولة منذ نشوئها. فقد أُسندت المسؤوليات لقيادات عربية مدنية وعسكرية وتعليمية. ترتب على ذلك عدم قيام تنظيمات سياسية أردنية حقيقية على أرض الأردن.

وقال إن التنظيمات السياسية الأردنية كانت روافد للتنظيمات الأيديولوجية على الساحة العربية أو الدولية. كما توارت أو وئدت الهوية الوطنية الأردنية التي لم تظهر إرهاصاتها إلا بعد بروز الحركة الوطنية الفلسطينية على أرض الأردن.

واضاف إن الهوية الواحدة هي الأساس الجامع لبناء الوطن في وحدة واحدة غير قابلة للتقسيم، وهي حق مطلق لكل من يحمل الجنسية الوطنية. ولا يجوز أن تعيش الى جانبها هوية وطنية أخرى، حتى لا يكون ذلك سبيلاً لتقسيم المجتمع، وسبيلاً لاستقواء البعض بالإقليمية.

وبين إن الرد الحقيقي على حلم العدو بالوطن البديل يكون بتعزيز الهوية الأردنية والهوية الفلسطينية، كل منهما على أرضها، وفي ذلك مصلحة وطنية أردنية عليا لحماية الأردن وأمنه وسيادته من عبث الأطماع الإسرائيلية.

وأوضح أن بطء تطور العملية الديمقراطية وتراجعها أحياناً، واستقواء بعض مراكز القوى عليها، وغياب الحركة الحزبية الفاعلة أو تشظيها، أدى الى بروز قوى هامشية هلامية، وتراجع دور القيادات السياسية. وعزز ذلك غياب الحكومات السياسية لحساب الحكومات التكنوقراطية التي عجزت عن فتح الأبواب لعلاقات إيجابية مع الجماهير، فتراجعت ثقة المواطن بمؤسسات الدولة.

وأعتبر أن من أخطر التحديات، ما سينجم عن المشروع الأميركي بتصفية القضية الفلسطينية، والذي أطلق عليه «صفقة القرن». ففي الوقت الذي أجّل الأشقاء الفلسطينيون بعض قضايا الحل الى المرحلة النهائية، انتهز الرئيس الاميركي ترامب الفرصة السانحة، وهو يرى تداعي النظام العربي، واحتدام الصراعات العربية بشكل أزاح القضية مع المحتلين عن صدارة قائمة الأولويات وبدأ بإنهاء تلك القضايا واحدة بعد أخرى حتى لا تبقى مجالاً للتفاوض. القدس وحق العودة والمستوطنات والأمن والحدود، وأضاف إليها الجولان السوري.

وقال لقد بقي امام ترامب ه قضية واحدة؛ وهي إدارة مصير الفلسطينيين في الضفة والقطاع بشكل يضمن أمن اسرائيل.

وأكد إن الرفض المطلق لهذا المخطط سيأتي من الأردن والفلسطينيين على الأرض الفلسطينية.

لقد أعلن جلالة الملك الرفض التام لآثار المخطط في موضوعات القدس والوطن البديل والتوطين. إلا أن الإعلان المتوقع بعد رمضان للصفقة سيجد الرفض المطلق من الشعب الأردني، وسيجري استغلال شكل الرفض وأسلوبه من قوى عديدة يتوقع أن تزعج الدولة الأردنية.

اما التحدي الاقتصادي، الذي وصفه بأنه تحد طويل المدى منذ التأسيس، ناجم عن ضعف الموارد الطبيعية ونقص المياه.

وانه يتظاهر بالبطالة والفقر وارتفاع المديونية وتزايدها المتسارع بالأرقام المطلقة وعجز الموازنة المتراكم.

وقال رغم الجهود والتشريعات، فما زال الاستثمار دون الهدف المنشود في المجال الصناعي، ومعدوماً في مجال الزراعة، وضعيفاً في مجال السياحة.إذ انصب الاهتمام على العقار، الأمر الذي أدى لارتفاع خيالي في أسعار الأراضي والشقق، أضعف قدرة المواطن على تأمين السكن المناسب. وزاد الطين بِلّة بالهجرتين: العراقية والسورية.

اما التحدي الإداري، فقال أن الادارة الاردنية تراجعت بعد ان كانت متميزة، وأصبحت تعاني عديداً من الأمراض البنيوية، منها التجرؤ على الهيكل التنظيمي للدولة ولكل وزارة ودائرة، وجرى التغيير مع كل وزير او قائد إدارة جديدة، الأمر الذي أدى الى أن يفقد المواطن والموظف البوصلة لتعدد الهياكل.

وقال ان التطوير الإداري تمير بالنمو البرعمي بخلق دوائر ومؤسسات تفصّل على المقاس لمهمة أو شخص أو لحل مشكلة تفاقمت، حيث امتد الأمر للحديث عن استقلالية المؤسسات المستحدثة، فتحوّلت الى إمبراطوريات لا تلتزم كثيراً بخطط الدولة، وبضعف الإشراف العام عليها واختلت عملية المساءلة بافتعال الربط الإداري برئيس الوزراء.

اما التحدي التربوي، فاكد الروابدة الى ضرورة أن يكون التطوير متدرجاُ، وينطلق من بناء قناعات ذاتية عند الجهاز التربوي. وإن النقلات الفجائية الصادمة تفقد المعلم البوصلة.

اما التحدي الاجتماعي فأوضح انه بعد تراجع الحركة الحزبية، محلياً وإقليمياً، كانت العودة الى عناصر التجمع التقليدية، حيث يجد الإنسان حمايته ومجاله للتعبير، وتتوفر له إمكانية الاستقواء على الدولة والآخرين.

وبين «بدأنا نشهد منذ فترة محاولات البعض للاستقواء بالعشائرية والجهوية والإقليمية، ومن عجب أن تقوم أحياناً مؤسسات مجتمع مدني تتلقى أحياناً الدعم من قوى خارجية لا مصلحة لها بالوحدة الوطنية في الأردن. والأعجب أن تمارس ذلك قيادات سياسية وإدارية كانت من صناع القرار ردحاً من الزمن. ويتعزز هذا التشظي بأن الحكومات غالباً ما تستجيب لذوي الصوت العالي».

وفيما يتعلق بتحدي التطرف، بين أن التطرف العقدي يجتاح العالم منذ مدة طويلة، ولن يبقى مجتمع في منأى منه، على اختلاف في السبب والدرجة والأسلوب.

واضاف إن التطرف نتيجة حتمية لجميع الإحباطات الداخلية في الدولة، وان يزيد من حدة التطرف الرعب من المجهول، وعدم الاطمئنان للمستقبل، وسرعة التغيير واختلال المستقر من قواعد الصراع مع الأعداء والرعب من الاستقواء الخارجي، وانتشار الأسلحة المدمرة والأمراض الفتاكة والمخدرات.

وأكد انه ليس بالإمكان اقتصار مواجهة هذه الظاهرة على الأجهزة الأمنية، وإنما يجب تحصين المجتمع ضد استيرادها والتأثر بها واقتدائها.