أبواب - زياد عساف

«أم تدعو في الصلاة لابنها بالنجاح.. شيخ يتلو اّية قراّنية في موقف إنساني أو وطني مؤثر.. صوت الاذان المنبعث من أحد الأحياء الشعبية»، مشاهد من أفلام سينما زمان لطالما قوبلت بالتصفيق الحاد من جمهور المشاهدين في الصالات الشعبية ممن تربوا على الفطرة الدينية التي لم تجد على الأغلب من يوظفها بالإتجاه الصحيح،خاصة في ظل هذه النوعية من الأفلام التي تحرك المشاعر والعاطفة وتفتقد للدور التنويري الحقيقي للفن السابع مع بعض الإستثناءات لأعمال سينمائية سبقت زمنها، وكأنها تعبرعن واقع حال مايستجد من أحداث.

مضمون ديني..

الدين بمضمونه ورموزه ورد بين نوعين من الأفلام، أولها ذات المضمون الديني وتسمى فيما تعارف عليه بالأفلام الدينية، والأخرى تمثلت بحضور رجل الدين كشخصية محورية بأعمال سينمائية ذات بعد اجتماعي أو سياسي،فتارة يظهر كنموذج متحضر لرجل الدين، وفي أعمال أخرى يقدم كنموذج سلبي لهذه الفئة من الناس، وهذا بمجمله ماتطرق إليه كتاب «الأديان في السينما المصرية» للناقد السينمائي محمود قاسم بشكل واسع ومفصل.

ولابد من إعادة التأكيد أن صناعة السينما المصرية بدأت مع عشرينيات القرن الماضي، وتم إنتاج الفيلم الديني الأول (ظهور الإسلام) عام 1951، ما يشير لتقصير السينما في هذا المجال، وفي الوقت نفسه كانت معظم الأفلام التالية عادية لا ترقى لمواصفات السينما الدينية، ومنها: انتصار الإسلام وبلال مؤذن الرسول 1952، السيد البدوي 1953، بيت الله الحرام 1957، خالد بن الوليد 1958، الله أكبر 1959، هجرة الرسول 1964، ويبقى (فجر الإسلام) 1971 الفيلم الأفضل على مستوى السينما المصرية والعربية عموما، أما المنجز الحقيقي فتمثل بالفيلم العالمي (الرسالة) 1976 للمخرج مصطفى العقاد باعتباره العمل الوحيد الذي عبَّر عن جوهر وسماحة الإسلام، ولم يحظ الجمهور المتعطش لهذه الأعمال لغاية الاّن بفيلم يوازي هذا المستوى من الرقي بالشكل والمضمون خاصة مع توقف إنتاج الأفلام الدينية في مصر حاضنة الفن العربي، وكان اّخرها: الشيماء أخت الرسول عام 1972.

السابقة الأولى..

أقدر من استطاع أن يقدم النموذج الإيجابي لرجل الدين المسلم على امتداد تاريخ السينما العربية، هو الفنان يحيى شاهين وبرأي الكثير من النقاد ومتذوقي الفن السابع، مشاركته بفيلم (سلَّامة) 1945 كانت فاتحة خير بالنسبة له حين قدم وبإتقان شخصية رجل الدين: عبد الرحمن أمام كوكب الشرق ام كلثوم، ساعده بذلك صوته الجهوري المتميز مالفت إليه انتباه المخرجين، وأوكلوا له أدوارا رئيسية حول الصورة الإيجابية التي يجب أن يكون عليها رجل الدين عامة.

من أهم أعماله في هذا المجال: ابن النيل 1951، وأدى به شخصية الرجل المتديِّن الذي يسعى جاهدا لإنقاذ أخيه شكري سرحان مما ينتظره من ضياع وانحراف في متاهات المدينة، ليتألق بعدها بدور الشيخ حسن إمام المسجد وخريج الأزهر بفيلم جعلوني مجرما 1954، الذي يحاول انقاذ صديقة فريد شوقي بعد دخوله السجن بسبب عمه الذي استولى على ميراث والده وكان الضياع والتشرد مصيره بعد ذلك ما أدى لسجنه بطبيعة الحال، وعند انتهاء الحكم لم يجد فرصة للعمل بسبب (السابقة الأولى)، والتي تحرمه من هذا الحق حسب القوانين المعمول بها اّنذاك، ما دفعه للانتقام من عمه السبب المباشر الذي أوصله لهذة النتيجة، إلا أن الشيخ حسن نجح في إقناعه بتسليم نفسه للعدالة. وفي حوار مع الجمهور اجراه فريد شوقي وضمن محاضرة له أقيمت بفندق الشام في أيام مهرجان دمشق السينمائي 1987، تحدث وحش الشاشة كيف ان هذا العمل ساهم بصدور قانون يعفي من السابقة الأولى لإعطاء فرصة للمذنب بالعودة للطريق الصحيح.

زواج عتريس..

وبفيلم «شيء من الخوف» 1968 للمخرج حسين كمال قدم يحيى شاهين دور الشيخ ابراهيم رجل الدين الذي يقود اهل قريته للتخلص من (عتريس) محمود مرسي الظالم الذي يسيطر على كل مقدرات القرية وأهلها لدرجة زواجه من (فؤادة) شادية رغما عنها، وفي واحد من أهم المشاهد، توجه الشيخ ابراهيم مع جموع الناس لبيت عتريس موجهين له أشهر صيحة في تاريخ السينما العربية وبصوت واحد: «زواج عتريس من فؤاده باطل..!».

وبدور مشابه ظهر يحيى بشخصية الشيخ حسونة بفيلم الأرض «1970» ووقف مع الفلاحين ضد محمود بك مغتصب أرضهم بهدف إقامة سكة حديد مكانها.

الشيخ حسن..

الفنان حسين صدقي المعروف بتدينه على الصعيد الشخصي، ظهر بشخصية الشيخ حسن بفيلم «ليلة القدر» 1953 من تأليفه وإخراجه، وأبرز أيضا الصورة الإيجابية لرجل الدين، وطرح بهذا العمل قضية في غاية الجرأة، وتدور حول زواجه من فتاة مسيحية لتتصاعد الاحداث مع رفض المجتمع لهذا الزواج، ويعتبر حسين صدقي من اوائل من طرحوا هذه القضية بالسينما العربية، في البدء تم اعتراض الرقابة على الفيلم وسحب من جميع دور العرض بأمر من اللواء محمد نجيب رئيس مصر اّنذاك، ورضخ صدقي لشروط الرقابة بالموافقة على تغيير عنوانه من «ليلة القدر» واستعاض عنه بعنوان: الشيخ حسن.

مبروك العطار..

يحسب للسينما المصرية أيضا تنبيه الناس من المتسترين بالدين، ورغم قلة هذه الأعمال إلا أنها ساهمت بفضح وتعرية هذه النوعية وبشكل ناقد ولاذع، في مقدمة هذه الأفلام: الزوجة الثانية 1967 للمخرج صلاح ابوسيف، ومن خلال شخصية رجل الدين مبروك العطار التي أداها حسن البارودي وكان اهم أدواره على الشاشة الكبيرة، ومبروك العطار بهذا العمل هو الشيخ المتسلق والمنافق للسلطة المتمثلة بعمدة القرية صلاح منصور الذي يسخر مبروك لتحقيق أطماعه ونزواته، ويبرر الأخير أفعاله هذه بالاّية الكريمة «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»، بهدف تطليق فاطمة (سعاد حسني) من زوجها (ابو العلا) شكري سرحان ليتزوجها العمدة وقبل انتهاء العدة الشرعية وبصورة مخالفة للشرع، ويختمها العطار مبروك بمقولته الشهيرة مطمنا العمدة بإنجاز المهمة: «الورق ورقنا.. والدفاتر دفاترنا!»، وبالفيلم نفسه ظهر رجل دين اّخر ولكن بصورة إيجابية ومناقضة للبارودي، عندما لجأت اليه فاطمة وشرحت له قصة تطليقها غصبا من زوجها ابو العلا وتزويجها للعمدة رغما عنها، وكانت فتوى الشيخ الجليل بأن الطلاق بالإكراه أو الزواج بالإكراه يعتبر باطلا، وهنا تم الفرز بين رجل الدين المستنير والأفاق.

عم درديري..

ومن النماذج السلبية أيضا شخصية (عم درديري) صلاح منصور رجل الدين المتخلف، وحارس مقام السيدة زينب ومن خلال احداث فيلم قنديل ام هاشم 1968، إذ يعود اسماعيل (شكري سرحان) من الغرب بعد دراسته طب العيون ليفتح عيادة في حي السيدة زينب مسقط رأسه، ويستنتج ان من اسباب استفحال مرض العيون في الحي ناجم عن استخدام المرضى لزيت قناديل مسجد ام هاشم السيدة زينب كقطرات للعيون، ويؤلمه أكثر أن ابنة عمه وخطيبته تعالج بنفس الطريقة لدرجة فقدانها البصر ليسعى في محاولة علاجها من جديد، ويبدأ بمحاربة هذه الخرافة بتكسير قناديل المسجد واللجوء للعلم لمعالجة المرضى، هنا يتصدى له (عم درديري) حارس المقام لأنه المستفيد ماديا من هذه المهنة والتي مصدرها جهل الناس بطبيعة الحال متهما الدكتور اسماعيل بالكفر، ويبدأ الصراع بينهما كتعبير عن الصراع بين الخرافة والعلم، لينتصر العلم في النهاية مع ابداء بعض المرونة من الدكتور اسماعيل في مسايرة عقول اهل الحي التي بنيت على الخرافة بجمعه بين الإيمان والعلم معا حسب رؤية الكاتب يحيى حقي.

الحدق يفهم..

بالإضافة لما سبق أظهرت السينما العديد من النماذج المقنِّعة بالدين، وعلى سبيل المثال وبفيلم العصفور 1972 ليوسف شاهين أدى علي الشريف شخصية رجل الدين الذي يتبع نزواته الجنسية، وبفيلم الحدق يفهم 1986 يقوم محمود عبد العزيز بانتحال شخصية الشيخ الأزهري ويبدأ، ويبدأ بجمع التبرعات من أهل القرية البسطاء بحجة اغاثة منكوبي السيل في قرية مجاورة، ومن فيلم (كراكون في الشارع) 1986 لعادل امام، يقوم الشيخ المقاول بالنصب على الناس، يعتبر العمل السينمائي المتميز (الإرهاب والكباب) 1992 من أهم أفلام عادل امام، وتظهر به شخصية رجل الدين الموظف الذي يتذرع بالصلاة للهروب من أداء وظيفته وتعطيل مصالح الناس، وبفيلم: طيور الظلام 1995 يتم تسليط الضوء أيضا على نوعية أخرى من المتاجرين بالدين.

حسن ومرقص..

في عام 1994 تم سحب فيلم الإرهابي من دور العرض في الأردن، وتعرض لنقد شديد في العديد من البلاد العربية باعتباره مسيئا لرجال الدين، وبه يظهر عادل إمام بدور الإرهابي الذي يختبيء عند عائلة مسيحية لأب يحمل الفكر اليساري، المأخذ من قبل النقاد على هذا الفيلم عدم تحليل الأسباب التي أدت لأن يلتحق بطل الفيلم بالحركات الإرهابية والأسباب الإجتماعية والإقتصادية التي أوصلته لهذه الحالة، وفي الوقت نفسه يعود الإرهابي لصوابه ويتخلى عن فكره المتشدد من خلال حواره مع رب الأسرة صلاح ذو الفقار اليساري التوجه، ومأخذ بعض المحللين هنا وحسب رأيهم كيف يكون اليسار هو الحل والبديل للفكر الإرهابي المتشدد؟، وتبقى الصورة الإيجابية بالعمل التركيز على حالة التعايش والتسامح بين المسلم والمسيحي، وتم طرح هذه الفكرة بشكل موسع بفيلم (حسن ومرقص) 2008 الذي جمع عادل بعمر الشريف.

شيخ جاكسون..

ظهرت بعض المؤشرات الإيجابية في السنوات القليلة الماضية بإظهار رجل الدين بصورة تتناسب مع واقع الأحداث والمستجدات، وأهم مافي ذلك أن الأفلام القديمة التي سبق ذكرها قدمت رجل الدين الذي يعيش في الأحياء الشعبية والقرى والأرياف فقط، أما الاّن فتم انتاج أفلام تتطرق لرجال الدين من ذوي الطبقة المتوسطة والغنية مثل فيلم (مولانا) 2016 لعمرو سعد، ويبحث العمل في علاقة رجل الدين بالسلطة، وإعادة تجديد الفكر الديني.

تغيرت نوعا ما نظرة السينما للمتدين وبدأت تقدمه بصورة أكثر واقعية كما سبق، وأخذ يظهر بصورة الشخص المتدين غير العنيف مع التركيز على البعد الطبقي للشخصيات ما يعكس حقيقة الواقع الحالي، فالمتدين لم يعد من الطبقة الفقيرة فقط بل من الفئة الميسورة أيضا، وهذا ما يلمسه المشاهد بفيلم انا مش معاهم 2005 لاحمد عيد وبشرى، وقدم من خلاله ظاهرة التطرف الديني بشكل كوميدي، وكذلك فيلم الشيخ جاكسون 2017 ويدعو حسب رؤية الكاتب والمخرج عمرو سلامة إلى التعايش مع أصحاب الأفكار الأخرى.

طاهرة..

ملاحظات كثيرة حول هذه النوعية من الأعمال تستدعي التوقف عندها، وأول ما يلفت الإنتباه ان ظهور رجل الدين في السينما زمان ارتبط بكبار السن والشيوخ فقط، وغاب دور الشباب عن هذه الرسالة كما يحدث الاّن، فالشباب يحتاج لنموذج من جيلهم، لأن الحوار سيختلف حتما مع المتقاربين في الأعمار، وفي الوقت نفسه رجل الدين هو من تذهب الناس اليه للمسجد او البيت لتأخذ رأيه، وليس هو المبادر بالذهاب للناس في أماكنهم وسكناهم.

يؤخذ على السينما العربية ندرة الأفلام التي تقدم المرأة كداعية على غرار رجل الدين، هذا الدور قامت به مريم فخر الدين بفيلم (طاهرة) عام 1957 للمخرج فطين عبد الوهاب، ويحكي قصة فتاة اسمها (طاهرة) يختبيء اللص (محمود اسماعيل) في بيتها هربا من رجال الشرطة بعد ان سرق محل الصاغة، وتسعى طاهرة لهدايته حتى يعود لرشده، وهذا ما يتوافق مع فيلم (رابعة العدوية) 1963، وفي السنوات الأخيرة قدمت ياسمين عبد العزيز دور فتاة متشددة دينيا بفيلم (الثلاثة يشتغلونها)2010 وهو من النوع الفكاهي والساخر أيضا.

رقابة..

ومن الماّخذ الأخرى تقديم رجل الدين بشكل ساخر أحيانا مع اللباس التقليدي «العمة والجبة والقفطان والسبحة»، وطريقة كلامه باللغة الفصحى التي تدعو للضحك، وعبد المنعم ابراهيم واحد ممن اشتهروا بهذا الدور بأكثر من فيلم ومنها: السفيرة عزيزة 1961.

شخصية المأذون ظهرت أيضا بشكل ساخر واشتهر بها الفنان الكوميدي محمد شوقي، وأغلب الأعمال قدمت هذه النموذج بقالب جدي وتقليدي ، وهو ما يقارب شخصية المأذون بفيلم (الخطايا)، الذي أتم عقد قران عبد الحليم حافظ ونادية لطفي بعد رفض أهل الطرفين لهذا الزواج.

أثرت الرقابة سلبياً على تقديم نوعية متميزة من هذه الأفلام أيضا، ووقع الكثير من الإشكاليات ما ادى لتأخير عروض افلام من هذا القبيل، أو الغاء التصوير نهائيا،تدخل السلطة في بعض البلاد العربية فرض إملاءات على المنتجين بتقديم أفلام بالصيغة التي تخدمها، ما أدى لعدم رضا النقاد وإحجام الناس عن هذه النوعية من الأفلام.

بعض الأفلام بالغت بتشويه صورة رجل الدين،وبعدت عن الرؤيا والتحليل المنطقي للعديد من القضايا، ولم تعبر عن نظرة الناس واحترامهم للشخصية الدينية المستنيره.

النظّارة..

من المشاهد التي لاتنسى في تاريخ السينما العالمية ذاك المشهد النهائي من فيلم: عمر المختار، وبعد لحظة اعدامه عندما توجه الطفل (ايهاب الورفلي) الى منصة الإعدام وتناول (نظارة) الشيخ عمر المختار، اراد المخرج مصطفى العقاد أن يوصل رسالة ويدعو من خلال دلالة النِّظارة لتمسك الأجيال بالرؤيا الصحيحة التي يتبناها الرمز أو القدوة، ما يتنافى مع الصورة التي ظهر بها رجل الدين في السينما العربية وتوزعت بين النموذج الإيجابي والسلبي، أو الأبيض والأسود مع أن طبيعة البشر عامة لاتخلو من العيوب والنواقص، وهذا ما أعاد تأكيده المخرج سمير سيف بفيلم (اّخر الرجال المحترمين) 1983 ومن خلال شخصية المدرس (فرجاني) أحد أهم أدوار الفنان نور الشريف.

المشهد الأخير..

وفي المشهد الأخير وبعد أن عثر فرجاني على تلميذته الطفلة نسمة التي تم اختطافها أثناء الرحلة المدرسية، وبعد أن أخفقت الشرطة بالعثور عليها، تم الوصول اليها بمساعدة المهمشين وقطاع الطرق، وهم الناس الذين جبرتهم الظروف على الإنحراف لكن في داخلهم طيبة وأصالة تمثلت بعثورهم على الطفلة المخطوفة وهم يمثلون هنا الحالة الرمادية بين الناس التي تجمع بين الخير والشر، ففي نهاية الفيلم يجلس نور الشريف منزويا، ويبدأ بإزالة الغبار عن (نظارته) كخطوة ذكية من المخرج أيضا بضرورة إعادة الرؤيا للحياة ومفاهيمها بشكل مختلف، ويحدث الأستاذ فرجاني نفسه بهذه اللقطة المؤثرة:

«الحياة مش أبيض واسود بس.. دي فيها لون تاني.. اللون الرمادي.. أصلك ما كنتش عامل حسابه خالص..لازم تعيد حساباتك يا فرجاني!».