عمان - أحمد الطراونة

صراع يختفي تحت عباءة الدين، اي دين؟ وسرائر وأسرار تتكشف كلما اشتد النفخ تحت جمر هذا الصراع، ليكون الحب في أغلب الأحيان شرارة الكره والحقد، ويكون الحقد والكره جذر الحب الذي تتغذى منه شهوة الانتقام.

وسط هذا التناقض والتضاد تمسك «سيدة الحسن» بمفاتن قصة مسلسل مقامات العشق، الذي كتب نصه الكاتب الاردني د.محمد البطوش، لتضع المستتر تحت غطاء الدين «الشيخ حامد» في مواجهة الزاهد المصحوب بفهم كبير وتجلّ إلهيّ «علي ابن عربي وابنه محي الدين»، فتكشف نار الحب اللاهبة نقاء الارواح وسمو الحضور وطغيان العقل وسطوة اسرار الحب الالهي، في مقارعة التعسف في الاستدلال والتأويل وطريقة تجذير الفتن وتصحير العقول، وبلغة فاتنة.

في مسلسل مقامات العشق، حين تستمع الى رزانة الجمل وقدرتها على الاختزال وسطوتها وجزالتها ترحل الى زمن العلماء الكبار، فتجلس مستمعا في حضرة علي ابن عربي وابنه من بعده محي الدين، وابن رشد، تستمع الى جذور الوعي الذي قتله الخوف، تسمع من علوم الكلام والفلسفة وتحرير العقل ودعاة فتح ابواب التجلي، فتعرف اين كنا واين اصبحنا، وتسمع للشيخ حامد لترى كيف استغفل بعض العلماء عوام الناس ودهنوا عقولهم بطلاء فاسد من المقولات الجاهزة التي باتت عنوان مرحلتنا الان، وصبغت الاسلام بمجمله بصبغة الرجعية والابتعاد عن العقل.

نحزم عقولنا الان لنعود الى تلك الحقبة فنجد جذر ما نحن فيه من تراجع، وعمق ما يلفنا من صور رسمت ببطء على مراحل زمنية طويلة لتنتج دينا اخر غير ذلك الدين الذي كان يدين به ابن عربي، دين المحبة والتسامح والسمو، فوقعنا بمنزلق الموت وقهر الحياة لصالح نصوص جامدة لا نعرف متى انتجت ولمن انتجت وكيف انتجت، لتحملنا من الان الى هناك.

مقامات العشق دعوة صريحة وقوية لإعادة هزّ جذور ما يلفنا من وعي يستند لمقولات ونصوص تحجّرت مع مرور الوهم بصدقها وقدسيتها، وان نعيد البهاء الروحي لديننا حتى نحلق في سماء الحب الازلي الذي هو سر الحياة.

تظهر براعة كاتب النص أولاً، والمخرج ثانياً، في أسر اهتمام ومتابعة المشاهد، مع أن العمل لم يلتزم بحرفية التاريخ، كما يقول المؤلف: «انا لا أوثق التاريخ، في مسلسلاتي ابحث عن التجارب الفكرية وأعيد صياغتها بقالب درامي»، الا ان التفاصيل المتخيلة، وهي قوام البنية الدرامية، أضفت على شخصيات العمل حياة اخرى حتما ليست هي الشخصيات الحقيقية وهذا هو سر انفلات الخيال من عقاله.

ورغم ان العمل قراءة فلسفية في المدرسة الصوفية، وبهدوء تجليّه الاغاني والموشحات و الموسيقى، بعيدا عن «الاكشن»، الا ان ما يقدمه هذا العمل من حوار راق وجملة جميلة ولقطة غاية في الادهاش واداء تمثيلي مبهر لنجومه الكبار ورؤية اخراجية فنية عالية قد جعل هذا العمل من اهم الاعمال التي يتم مشاهدتها خلال رمضان هذا العام.

ويروي المسلسل قصة ابن عربي من خلال أفكاره، و ليس استنادا إلى سيرة ذاتية أو نظرة توثيقية، وإنما من خلال قصص ترمز إلى قيم العشق و الحب التي كان يدعو لها، وتظهر اهمية التركيز على الجانب العقلي في المسلسل، رغم ان ابن عربي كان شاهدا على أكبر الصراعات بين تيار التطرف والتكفير وبين الإسلام الحقيقي المعتدل والمتسامح، الصراع الكبير الذي استمر منذ أن بدأت حركة تسييس الدين حتى الآن.

ورغم اهمية ما يطرحه العمل من افكار نحن بأمس الحاجة لها الان، الا ان حوار الكادر بمجمل مكوناته، النص وما يشتمل من حوار وسيناريو، والتمثيل، الاخراج، الانتاج، الاضاءة والصوت، الديكور ومؤثثات الفضاء المتخيل، قد شكل جمل فنية مبدعة.

«مقامات العشق» الذي يعرض على العديد من الفضائيات العربية، من تأليف وسيناريو وحوار الكاتب د.محمد البطوش، وإخراج أحمد إبراهيم أحمد، وإنتاج أبو ظبي للإعلام. وبطولة الفنان عاكف نجم الذي حلّق عاليا في فضاءات الفلسفة بجناحي ابن رشد، والنجم يوسف الخال الذي جسّد حياة والد ابن عربي الذ أعطاه مفتاح الطريق، ونسرين طافش التي صنعت اسرار ست الحسن، مصطفى الخاني الشيخ حامد الشيخ المتستر بغطاء الدين، لجين اسماعيل ابن عربي، قمر خلف، نادين خوري، محمد حداقي، محمد حمادة، وسيم قزق وغيرهم من النجوم.