عمان - جوان الكردي

يمسك بضع دنانير أو ربما طرداً، ثم يمدّ يده نحو الفقير، لكنه لا يريد في ذلك إغاثته، بل التقاط صورة.

لا تعرف يده الاخرى بأنه تصدّق فقط، بل يصرّ أن تراه الدنيا بأسرها، حتى ينتزع معنى الصدقة من جوهرها، فيهين المحتاج، ويكسر زجاج كرامة الفقير. وهذا هو حال الكثيرين اليوم.

إنها صدقة يتبعها أذى، وهي أولى بالرياء، وأبعد عن الخير، وأن ارتدت ثوب الخير.

يصحّ فيها القول: إنها صدقة يتبعها منّ وفضيحة مصوّرة.

وفي رمضان يبدو الأذى أشد والمنّ اقسى، والصورة أوجع.

صحيح أن نوازع الخير والبذل والعطاء عند الناس، في رمضان تتضاعف، وهو مقصد من مقاصد فريضة الصوم في الشهر الفضيل، فيسارع الناس، وخصوصا من ميسوري الحال، إلى تقديم المساعدات والصدقات بغية كسب الأجر والتقرب إلى الله، الا ان البعض يقع فيما يكاد يحول صدقته الى نار لا هي برد ولا سلام.

الهدف في التقاط صورة

وكشأنها ضاعف ظهور هذه الحالات انتشار وسائل الإعلام الالكترونية والتواصل الاجتماعي إلى أن أصبحت موضة التصوير ونشر تقديم المساعدات التي تمس كرامة المحتاجين والفقراء من قَبل بعض الشخصيات العامة والشركات التجارية الباحثة عن الشهرة.

وما يدعو للأسف أن بعض الجمعيات والمبادرات التي ابتعدت أهداف بعضها عن معاني الخير واحتساب الأجر، أصبحت تهدف للترويج ولجلب أرباح بطرق غير مقبولة أخلاقياً.

لقد بات عمل الخير مريقا لماء وجه الفقير والمحتاج من الذين «لا يسألون الناس إلحافا»، ولا يحميهم من الإحساس بالمذلة ومن الشعور بالنقص والحاجة للآخرين، رغم أن الدين الحنيف حض على الستر وأن تكون الصدقات بالسر «حتى لا تعلم شمالك ماذا أنفقت يمينك».

خط أحمر

الناشط الشبابي حذيفة التميمي يقول إن من أهم أدبيات العمل التطوعي مع الفقراء والمحتاجين ألا يسبب لهم أي نوع من الحرج مباشرا أو غير مباشر، فكرامة الإنسان خط أحمر.

ويرى التميمي أن ما يقدم عليه البعض من التقاط صور أثناء تقديم المساعدات للفقراء كباراً أم صغارا هو «تصرف غير مقبول.. حتى وإن كان من باب التوثيق للعمل

ويشدد على أنه إذا كان لابد من التصوير «فيجب أن تكون الصور دون إبراز وجوه الفقراء والمحتاجين وأن تكون للمتطوعين أو للمساعدات فقط».

ويستطرد التميمي يالقول: لقد أصبح بعض الناس يستعرض ويتفنن في التقاط تلك اللحظات وكأنها سبق صحفي ليجمع أكبر قدر من الاعجاب على وسائل التواصل الاجتماعي متناسيا فقيرا قد يبكي حرقة عندما يرى صورته منتشرة في كل مكان.

عمل شاق

ويقول رئيس جمعية تلاع العلي الخيرية خضر العساف: إن العمل الخيري شاق جدا بحاجة إلى عمل دؤوب ونفَس طويل وبحاجة الى دراسة للعائلات الفقيرة والأيتام وتحديد من المحتاج فعلا وترتيب الأولويات قبل توزيع التبرع.

ويلفت الى أن عملية التصوير تنقسم إلى قسمين في حالات يجب فيها التصوير مثل العمل الجماعي، إفطارات جماعية للايتام أو توزيع طرود الخير على ان يتم تحاشي تصوير الوجوه والتفاصيل.

ويقول: التصوير يهدف لإبراز نشاطات الجمعية بقصد تشجيع الراغبين في عمل الخير والناس بعامة على المساهمة والمشاركة وليس التباهي.

طرود تخدش ماء الوجه

ويرفض التاجر محمود الكردي التصوير خلال عمل الخير وعند توزيع وجبات الطعام أو بطرود غذائية فالناس لها كرامة.

ويقول: من العيب أن نحرجهم ونجبرهم على الظهور وتصويرهم وهم يتسلمون طرداً غذائياً فهنا تمس كرامتهم وتهينهم. وهو يلاحظ «أننا لا نتذكر العائلات المحتاجة والفقيرة إلا في شهر رمضان».

ويأسف الكردي ان العمل الخيري عند بعض الأشخاص أو الجهات صار ذا غايات انتخابية أو علاقات عامة أو للشهرة أو لتقوية نفوذه من خلالها.

ويستدرك: صحيح ان إشهار عمل الخير في بعض الحالات يكون بقصد تشجيع الناس على المشاركة والمبادرة من باب «الدالّ على الخير كفاعله»، لكن لماذا الصورة؟

ويلفت إلى أنه يمكن تشجيع الناس على عمل الخير بالكتابة عنه، أكان جمعيات أو مبادرات، بطريقة جميلة وملفتة ومحفزة تعطي أثرا أفضل من الصور.

تضامن

اما أستاذ علم الاجتماع الدكتور مراد المواجدة فيشير إلى أن عمل الخير ليس ظاهرة اجتماعية فقط بل الدين الحنيف وجميع الديانات تؤكد ضرورة عمل الخير وتحض عليه؛ فهي «إحدى صور التضامن الاجتماعي».

ويلاحظ أن عمل الخير بات يقترن بالتصوير والإشهار لأسباب ودوافع تتمحور حول انتشار وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع وتوافر الكاميرات بأغلبية الاجهزة وبخاصة الهواتف المحمولة.

هل الصدقة هي الغاية؟

ويرى أن من أسباب تصوير وإشهار الصور والفيديوهات بالنسبة للأشخاص المسؤولين من مدراء ورؤساء خصوصا التابعين للوظائف الحكومية يعتبر ذلك تعبيرا عن انجازاته بالعمل حتى يحظى بالتقدير من مسؤوله الأعلى والحفاظ على مركزه الوظيفي من خلال إظهار هذه الانجازات.

أما الآخرون من الشخصيات العامة وأصحاب الشركات فهنالك من يبحث عن الشهرة، أو لمقاصد أخرى مثل الترشح للانتخابات أو المباهاة الاجتماعية أمام عشيرته وأبناء مجتمعه. وكذلك تجذرت في الآونة الاخيرة في المجتمع قضية التصوير والتشهير لاعمال الخير كثقافة فرعية لدى بعض الفئات.

ود ومحبة

ويرفض المدير العام لجمعية الكاريتاس- الأردن وائل سليمان رفضاً قاطعا استخدام التصوير للتشهير بالإنسان المحتاج ولغاية المنفعة المؤسسية الذي يسيء لكرامة الانسان.

ويوضح بأن تصوير النشاط الخيري أو الاحتفال أو التوزيع يظهر كمية الود والمحبة والتضامن والتكافل الموجود في مجتمعنا ويجب أن تكون أهداف التصوير نبيلة لبثّ فكر احترام الآخر والتعاون والحض على الخير بقصد التشجيع على عمل الخير.

ويؤمن سليمان بأن العمل الانساني «عمل طاهر ولا شوائب فيه ولا يفرق بين لون ودين وعرق وجنس ويجب أن نظهره بروح جديدة تساعد ابناءنا على الاقتداء بفكر العطاء وأن لا يكون للتصوير أهداف غير نبيلة او للتشهير بالناس المحتاجين والفقراء.

لو يفكرون لحظات

المستشارة التربوية بشرى عربيات تقول «مع الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، انتشرت الصور وأحيانا الفيديوهات التي ترافق إفطار الأيتام والمحتاجين في شهر رمضان المبارك، وكثرت الصور المرافقة لتوزيع «طرود الخير» التي تحمل في طياتها الكثير من الذل والهوان عندما تتواجد الكاميرات في مكان توزيع المعونات التي لا ترقى لأن يطلق عليها صدقات.

ومن الآثار السلبية، التي تتركها كاميرات التصوير على الصغير قبل الكبير، وفق عربيات، آثار نفسية تختزن في ذاكرتهم مدى الحياة.

وتستغرب عربيات تجرؤ من يريدون تقديم المساعدات العينية عندما يطلبون منهم الوقوف أمام الكاميرا.

وتتمنى لو يفكرون لحظات أنهم هم المحتاجون، وتؤكد أنه «لو كان الأمر كذلك لاختلف أسلوب تقديم المساعدات».

وقد طالبت وزيرة التنمية الاجتماعية بسمة اسحاقات أخيرا، من مديريات الوزارة منع تصوير تسليم مساعدات خيرية لمنتفعين «تحت طائلة المساءلة القانونية».

عندما تكون الصدقة والمساعدات والمعونات بقصد الاشتهار وطلبا للمديح أو لغايات تجارية ودعائية بحتة، يصبح على رأس اركانها فضح الفقير واراقة ماء وجهه.