أبواب - تالا أيوب

«اللّهم إني صائم».. عبارة يتسلّح بها كثير من الصائمين للابتعاد عن الأعمال والكلمات التي تبعدهم عن الله -سبحانه وتعالى- في هذا الشهر الفضيل، فتنعكس على أخلاقهم وعاداتهم بشكل إيجابي.

وفي المقابل،هناك من يتذرع بالصيام فيتفوّه بما يجول في خاطره دون الأخذ بعين الإعتبار مشاعر غيره، كأن يعلو صراخه، وتكثر لحظات عصبيته، دون قدرة منه على ضبط سلوكياته.

وتقول الموظفة في القطاع الخاص سمية رواشدة لـ«أبواب» الرأي : «منذ أن بدأ شهر رمضان المبارك، وأنا أفكر بكل ما أقوم وأتفوه به، فإذا اتضح لي بأن ما سأتفوه به سيغضب من هو أمامي أو يجرحه فإنني أكتمه حفاظا على نفسيته، والعكس كذلك».

وتضيف:» كذلك الحال ينطبق على التصرفات، ففي الصيام نتقرب الى الله - سبحانه وتعالى - ونكثر من العادات المحببة التي تقربنا إليه، فأحاول جاهدة الابتعاد عن جلسات النميمة أو إطلاق الأحكام على الآخرين بالتماس الأعذار لهم ».

تقول مرام عيسى - وهي ربة منزل - : «عندما أشعر بالعصبية والسخط أتجه الى تناول الطعام للتنفيس عمّا يجول في خاطري من غضب وتهكّم، ولكن في شهر رمضان الفضيل وخلال ساعات الصوم، فإنه من الصعب أن ألتجئ الى ما يخفف من حدتي فلا أقاوم مشاعري المكبوتة، فتخرج للملأ على شكل صراخ وعصبية».

وتشير المدربة في التطوير والعلاقات والذات والأعمال هبة حبيب الى أن:«بعض الناس يشعرون بالغضب والتوتر أثناء الصيام، وذلك لا يعود الى الصيام بحد ذاته، وإنما الى المشاعر المكبوتة لديهم من قبل، بينما يسيطرون على المشاعر السلبية في الأيام العادية من خلال تناول الطعام بنهم أو الإدمان على عادة التدخين أو الحديث مع الأصدقاء».

وترى أن:«الحل يكمن في نية الصيام الصادق، وهي الاتصال بالله وقوة الروحانيات والتحرر من الماديات، والتصميم على صيام خال من الغضب».

وتدعو الصائمين الى أن:«يجعلوا وقت الصوم لذواتهم ولقوة العلاقة بالله–سبحانه وتعالى- والاستمتاع بكل لحظة، لأن الصوم يعد فرصة لعمل ديتوكس (التخلص من السموم التي في الجسم) والمشاعر السلبية إضافة إلى أنه عبادة في المقام الأول».

تقول الأستاذة المساعدة في علم النفس الإكلينيكي بجامعة عمان الأهلية فداء أبو الخير: «من المفروض أن يعي الصائم المغزى من الصيام، فالمقصود منه ليس الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، وإنما له أهداف جسدية ووقائية من الأمراض وتنظيم للجسم وتهذيب للنفس».

وتوضح: «للصيام دلالات كثيرة ومؤشرات أهمها تعلم الإنسان التحكم في ذاته، وفي غرائزه، وحاجاته الاساسية، والسيطرة على الحاجات الثانوية وضبط السلوكيات».

وتلفت الى أن الصيام يحمل رسائل لها علاقة بتحمل الشخص المسؤولية اتجاه نفسه والآخرين، كما يحمل رسائل لها علاقة بالقدرة على التحمل والصبر والتعامل مع الأمور بصبر وبشكل جيد.

وتشير الى أن :«الإنسان يجب ألا يصوم خوفا من العقاب، وميلا الى الثواب، بل حبا وطاعة لله -سبحانه وتعالى-، وأن يكون الصيام نوعا من السمو الروحي والعقلي وتنمية الذهن وتصفية النفس والروح». في حين يرى بعض علماء الدين أن الناس في الطاعات مذاهب واعتقادات فمنهم من يؤدي العبادات طمعا في الجنة وخوفا من النار،ولا ضير في ذلك.

يعزو أخصائي الأمراض النفسية والإدمان هاشم فاخوري أسباب العصبية والانفعال في رمضان لدى بعض الأشخاص الى: «نقص الماء خلال الصيام، اذ أن الدماغ يفرز مواد كرد فعل على نقص الماء الحاصل، ويبدو أن هذه المواد لها دور في زيادة التوتر والعصبية».

ويشير إلى أن الدماغ يعتمد بشكل تام على الغلوكوز في حصوله على الطاقة وعند نقصه في الدم تزداد حالات العصبية والانفعال لدى البعض.

ويقول إن: «الانقطاع المفاجئ عن التدخين في رمضان أو غيره (خصوصا لدى الأشخاص المدخنين بكثرة) يؤدي الى أعراض تسمى أعراض الانسحاب (مثل الأعراض النفسية كالاكتئاب، الأعراض العصبية كالتوتر العصبي والانفعال)».

ويضيف: «يشكل الانقطاع عن المنبهات بشكل مفاجئ عند بعض الأشخاص المدمنين عاملا مؤثرا في زيادة حالة التوتر والعصبية، بالإضافة الى أن اضطرابات عادات النوم بالسهر تؤثر على الساعة البيولوجية الطبيعية لدى الانسان، وينعكس سلبا على المزاج والحالة النفسية فتصبح لديهم حالة من التوتر والعصبية».

وتشير أبو الخير الى وجود نماذج معينة عصبية في الحياة نقوم بتقليدها، ونشعر بأن العصبية مبررة في هذا الوقت، ويحدث تعزيز للعصبية في الشهر الفضيل، وبالتالي يجب أن يكون هناك وعي وإدراك بأن هذه السلوكيات مرفوضة وغير مبررة ابدا.

وتلفت أبو الخير الى أنه تكون العصبية أحيانا موروثا اجتماعيا وثقافيا عبر السنوات اذ نسمع عن أبشع الجرائم، وأغرب حالات الطلاق، وعندما تنشر عبر وسائل الاعلام فإن الناس يقدمون مبررات عديدة تعزز من سلوك العصبية لديهم.

وينصح فاخوري الأشخاص الذين يتسم صيامهم بالعصبية: «بالتنفس العميق والاسترخاء المباشر لأنهما يخففان من الأفكار والمشاعر السلبية وحالة التوتر وممارسة تمارين اليوجا وهو ما يعطي راحة للجسد وهدوءاً للنفس وتأملا فكريا وروحيا، كما أن ممارسة التمارين الرياضية تخفف من التوتر وتعزز النوم الصحي».

ويدعو إلى: «الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم لتعزيز عمل الدماغ والتخفيف من التوتر والعصبية، إلى جانب الحصول على مقدار كافٍ من الماء، إذ ينصح بشرب ما يتراوح بين 5-10 أكواب من الماء، وذلك ابتداء من فترة الإفطار حتى فترة السحور، وليس دفعة واحدة لتجنب حصول الشبع أو الإدرار».

ويشدد على: «التخفيف التدريجي من التدخين قبل رمضان للتقليل من أثر أعراض الانسحاب خلال الشهر الفضيل إلى جانب التخفيف التدريجي من المنبهات وعدم تناولها قبل النوم مباشرة».

وتلفت حبيب الى أن الصيام يعيد التوازن لطاقة كل شخص، وتدعو الى التركيز على أن الصيام طريق القوة والتوازن والتحرر، وتشير إلى أنه تلقائيا ستنجذب مشاعر إيجابية مع الصيام كالهدوء، والتوازن، والاتصال بالله.