عمان - حنين الجعفري

تزداد وتيرة الحديث عن البطالة وفرص العمل في أيامنا هذه، من دون أن تكون هناك حلول لمشكلة طالما أرّقت كثيراً من الأسر الأردنية.

ولكن ما يلفت الانتباه أن أغلب اللاجئين في الأردن يجدون لأنفسهم وظائف في القطاع الخاص، حتى أن وافدين استطاعوا خلق فرص عمل لم تكن موجودة في السوق الأردني.

ويبلغ إجمالي العمالة الوافدة في الأردن، سواء التي تحمل تصريحا أو المخالفة لقانون العمل، نحو مليون شخص تقريبا، وفقا لأرقام غير رسمية، فيما وصلت معدلات البطالة في الأردن، وفقا لآخر إحصائية رسمية، إلى 18.7%.

وفي ظل هذه الحالة، يبدو الحديث منطقياً عن أسباب أو عوائق يجسدها طالبو العمل الاردنيون من ضمنها ثقافة العيب ورغبة البعض في العمل في العاصمة او الرغبة في العمل المكتبي، وهو الأمر الذي يعتبره الخبير الاقتصادي حسام عايش «أمراً تاريخياً في ان يكون للوظيفة سلطة على مستوى العلاقات».

كما أن لنوعية التعليم حصة كبيرة في العوائق التي يجسدها الشباب الاردني فاحيانا تخرّج الجامعات عمالاً نظريين، حيث يعاني الخريجون من عدم التأهيل لسوق العمل إضافة إلى مهارات أقل، وبالتالي تكون المنافسة مع الآخرين لا تسمح لهم بالحصول على الوظائف، وفق عايش.

عجز الحكومات

غير أن رئيس جمعية قدرات للتنمية المجتمعية عبد الكريم الخزاعلة يؤكد ان الاردنيين لا يقللون فرص العمل على انفسهم فحلم الحصول على وظيفة مناسبة هاجس يؤرق الشباب والأسر الاردنية معا، كما ان مشكلة البطالة من أكثر المُشكلات التي يعاني منها الشباب الأردني وتؤثّر عليه سلباً سواءً من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو النفسية.

ويضيف «ما زالت الحكومات المتعاقبة عاجزة عن التوصل الى حلول واقعية للحد من هذه الظاهرة، خاصة ان مشكلة البطالة اصبحت تلازمها زيادة في معدلات الفقر وتردي الاوضاع الاقتصادية، الأمر الذي يدل على فشل الاستراتيجيات والخطط والبرامج التي وضعتها الحكومات المتعاقبة والتي لم تفلح في تشغيل الشباب الأردني كما يجب وجعله اولوية في سلم التوظيف».

أصبحنا دولة غير منتجة

شبابياً، يرى الناشط الشبابي عرفات عوض أن فرصة الوظيفة الحكومية غرست في عقول الشباب الاردني لما تحتويه من أمان وظيفي وتأمين صحي وضمان اجتماعي.

ويتابع «للاسف معظم شبابنا يربطون حياتهم وتطورهم بوظيفة حكومية حتى اصبحنا دولة غير منتجة بل مستهلكة»، مشددا في الوقت نفسه على أن «هناك العديد من مجالات العمل في المصانع والزراعة يرفضها الشباب الاردني لتحظى بها العمالة الوافدة».

أجور قليلة

ولا يغفل عوض الدور المهم لقلة الأجور وثقافة العيب في تقليل الاردنيين فرص العمل على انفسهم.

ويتابع «علينا كشباب دور كبير في تغيير هذه العقلية وزرع الانتاجية والعمل الحر في نفوس طلاب المدارس والجامعات كخطوة اولى حتى نخرج من هذا المأزق بالاضافة الى اهمية عمل مشاريع صغيرة بافكار شبابية ويترأسها ويديرها الشباب انفسهم ويتم متابعتها بشكل دوري وعند نجاح هذه المشاريع يتم تقديم امتيازات وذلك لتشجيع البقية».

تساؤلات

أما الشاب يزيد أكثم حدّادين فيطرح في ظل حديثه عن فرص العمل عدداً من التساؤلات، ويقول: هل البطالة هي صنيعة طرف لطرفٍ آخر؟ أم هي مشتركة؟ هل سببها داخلي، أم خارجي، أم كلاهما؟ هل ظرف الأردن الجيوبوليتيكي هو السبب الرئيس؟ أم أن الإرادة الدولية في استمرار الأردن كسوق مستورد مستهلك له أثر مباشر؟ أم يا ترى عدم كفاءة الفرد الأردني الذي توّرث نهج الاتكال على وظيفة القطاع العام التي شكّلت ظاهرة البطالة المقنّعة وأفقدت القطاع المشغّل رشاقته هي السبب؟ هل لسوء التنسيق بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل الأثر الأكبر؟ أم شُحّ الموارد الطبيعية؟ أم يا ترى سوء الأداء في توجيه الاستثمار إلى القطاعات التي تخلق أكبر عدد من فرص العمل هو حجر العثرة؟ أم ما يسمى بثقافة العيب يتمتع بالدور الأكبر؟ لكن ماذا عن ثقافة أزمة اللجوء؟

ويتابع حدادين: جميع ما ذكر من تساؤلات صحيح، فالبطالة في الأردن تُعزى لعوامل خارجية وداخلية، طبيعية وبشرية، داعياً القطاع العام، والقطاع الخاص والعمّال، إلى التعاون من أجل تأطير وصياغة نهج يكون هدفه بشكلٍ رئيس وطنياً، ألا وهو العدالة الاجتماعية.

مناخات العمل

منسقة المشاريع صفاء العمري تقول إن الاردن يعاني كثيراً من التحديات الاقتصادية والسياسية، وهو ما اثر على مناخات العمل للشباب الاردني، لافتة الى ازدياد معدلات البطالة، وهو ما يشير إلى خلل واضح ومشاكل ناتجة عن اسباب معينة.

وتتابع «خريجو الجامعات الذين يحملون شهادات البكالوريوس والماجستير والدكتوراة لا يجدون فرصاً متكافئة»، منوهة إلى ضرورة وجود بيئة آمنة للعمل في القطاعات العامة والخاصة وهو ما يعني استقطاب الشباب للعمل.

وتضيف: لكن الكثير من الشباب والخريجين يعزفون عن الاستفادة من فرص العمل المتاحة في السوق وتركها للعمالة الوافدة، نظرا لتدني مستوى الأجور، وعدم توافر حماية اجتماعية، كالتأمينات الصحية والضمان الاجتماعي.

انخفاض المعروض

على ان عايش يعود ليؤكد ان ارتفاع معدلات البطالة تعبير عن انخفاض فرص العمل المتاحة وهي مشكلة اقتصادية بالاساس تتعلق بالاقتصاد ولها انعكاسات اجتماعية واحيانا لها اسباب سياسية وبالتأكيد لها ابعاد ثقافية مختلفة في ما يتعلق بقيم المجتمع وعاداته وطريقة تعامله مع العمل وقيمة العمل في المجتمع.

ويتابع: لذلك قد تكون فرص العمل موجودة لكنها قد لا تناسب المنطق او العقل او الشريحة الاجتماعية، وبالتالي تذهب هذه الفرص للمغتربين او العمالة الوافدة او انه يتم تجاوزها، ما يؤدي الى فقدان المجتمع فرصة من فرص العمل.

فرص ضائعة

ويوضح عايش «اننا نقلل من فرص العمل في كيفية عرضها او وجود افق لها واحيانا لا يكون هناك تطور للعمل الى مستويات اعلى بالاضافة الى ان الدخل في العادة لا يتناسب مع الارتفاعات المستمرة وقد تكون هذه احدى اهم النقاط المنفرة لطالبي العمل».

ويتابع كما أن عرض فرص عمل نخبوية سواء حسب التخصص او الفئات او الشهادات ولها مواصفات خاصة، يجعل قلة قادرين على العمل بهذه الفرص.

ويشير عايش إلى ان هناك عوائق يجسدها طالبو العمل الاردنيون من ضمنها رغبتهم في العمل في العاصمة او الرغبة في العمل المكتبي وهذا أمر تاريخي في ان يكون للوظيفة سلطة على مستوى العلاقات.

ويلفت إلى ان هناك فرص عمل اوجدها الوافدون انفسهم وهذا يعني انها ليست فرصاً اصيلة فربط هذه الفرص محل العمالة الوافدة قد يكون من الصعب على البعض تقبله لاسباب اجتماعية ونوعية الفرص المتاحة.

نحاصر انفسنا بوظائف

وفي السياق ذاته يبين عايش ان «هناك عوائق من صنعنا او من صنع المجتمع او الاوضاع الاقتصادية فاننا ننمو اقتصاديا بالشكل المناسب لفرص العمل ونتنافس مع فرص عمل قليلة بالاصل ثم تأتي الظروف لتزيد من حجم المنافسة».

ويتابع: تتضافر جملة اسباب متداخلة لكي نحاصر انفسنا بوظائف من الواضح انها قليلة جدا او اننا لا نرغب في الدخول في سياق هذه الفرص.

ويقول عايش: الاردني باستمرار يتطلع لان يحصل على اعلى دخل بأقل جهد واقل تضحية وهذه الاشكالية لها علاقة في التركيبة الاقتصادية السياسية الاجتماعية في الاردن.

ويقترح عايش للخروج من هذه العوائق بتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة والتفكير خارج المنطق التدريبي في التعامل مع الوظائف.

فشل الاستراتيجيات والخطط

ويعود الخزاعلة لتأكيد أن واقع سوق العمل في الأردن وبخاصة في العقد الأخير من الألفية الأخيرة يعدّ من أهم وأبرز التحديات التي تواجه الأردن والأردنيين وصناع القرار والمؤسسات ذات العلاقة المباشرة المرتبطة بالعمل كالحكومات ووزارة العمل والوزارات المعنية بمساندة المنظمات والمؤسسات المحلية والدولية.

ويرى ان الحصول على وظيفة اصبح مصدر قلق ليس فقط لخريجي الجامعات الذين تزداد اعدادهم سنويا بل حتى للطلبة الذين ما زالوا على مقاعد الدراسة، في وقت يعاني فيه سوق العمل الأردني من قلة الوظائف ومزاحمة العمالة الوافدة للعمالة الأردنية.

ويشير الخزاعلة إلى ان معالجة ظاهرة البطالة لا تكون إلا من خلال سياسات اقتصادية، واستراتيجيات وحلول وبرامج فعالة طويلة الأمد تتميز بالتنسيق والديناميكية والتعاون بين جميع ذوي العلاقة، والعمل على محاربة الفساد والمحسوبية والقضاء عليهما ليستطيع الشاب الاردني ضمان حقه في سوق العمل.

ويقول: على الحكومة التحرك بشكل سريع ووضع مشكلتي الفقر والبطالة في صدارة اولوياتها، عبر العمل على تحفيز الاقتصاد الوطني وتحسين التنافسية والبيئة الجاذبة للاستثمارات لإيجاد فرص العمل للأردنيين، وزيادة نسبة النمو ومكافحة الفقر والبطالة، والتحرك لتحسين الظروف المعيشية للمواطنين من خلال تعزيز جهود حماية المستهلك وتشجيع المنافسة ومنع الاحتكار وتوجيه الدعم لمستحقيه، ودعم المشاريع الانتاجية والريادية والمؤسسات المتوسطة والصغيرة وتنمية المحافظات وتنويع مصادر الطاقة وتنفيذ المشاريع الكبرى في قطاعات المياه والنقل والطاقة وغيرها.