الاستاذ محمد الزبن

قوة كلية الشريعة يكمن

في قدرتها على أداء رسالتها

سماحة الدكتور

عبدالرحمن الكيلاني

للعلماء أثر بالغ في فهم الواقع والمستجدات المعاصرة والحاجة إليهم بالغة الأهمية، ويوجد في بلدنا رابطة علماء الأردن وينضوي تحت لوائها ثلة من أهل العلم في عموم التخصصات الشرعية.

وكان للرأي هذا اللقاء مع الرئيس السابق للرابطة،وهو أيضا العميد السابق لكلية الشريعة في الجامعة الأردنية والمدرس الجامعي فيها حاليا الأستاذ الدكتور عبدالرحمن إبراهيم زيد الكيلاني:

- لكلية الشريعة دور أساس في نشر العلم والوسطية في زماننا، فمن أين جاءت قوتها ودوام بقائها؟

إن قوة كلية الشريعة ونجاحها يكمن في مدى قدرتها على أداء رسالتها في اعداد الدعاة الى الله الذين ينشرون الخير والعدل والصلاح في المجتمع وفي تكوين العلماء المؤهلين القادرين على التصدي للقضايا المعاصرة بعلم وبصيرة وفهم عميق للواقع والحياة.

وان مما يساعد على بلوغ هذه الغاية ما تتميز به كلية الشريعة من وجود عدد من الأساتذة الكبار الذين لهم مكانة علمية مرموقة على المستوى العلمي والدعوي هذا فضلا عن أثرهم الإيجابي الفاعل في المجتمع الأردني من خلال الدعوة الى مكارم الاخلاق والدعوة إلى الإصلاح بكافة مجالاته، وهذه المسؤولية هي التي اخذ الله العهد على الأنبياء في أدائها (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ).

* ما هو ميزان العلاقة ما بين الطالب والأستاذ الجامعي في كلية الشريعة وكيف ترونه؟

كلية الشريعة تعتز بوجود عدد من الطلبة والطالبات المتميزين وأصحاب الرغبة الجادة في تحصيل العلم الشرعي والتكوين العلمي القوي وهذا ما تراعيه الكلية وأساتذتها من خلال الخطط الدراسية القوية والشاملة التي تبني العقلية العلمية لدى طالب العلم الشرعي وتنمي مهاراته العملية وتؤهله للنهوض بواجبه في المجتمع.

وبطبيعة الحال فإن الطلبة يتفاوتون في مستوياتهم ولكن واجب الكلية والأساتذة فيها أن يعينوا الطالب الضعيف ويرتقوا بمستواه وأن يفتحوا أبواب العلم أمامه.

* كنت رئيسا سابقا لرابطة علماء الأردن، فما هي رسالتك لعلمائنا ولمجتمعنا المحلي في استقاء الفتوى منهم؟

أؤكد على وجود عدد من العلماء الكبار في الأردن الذين كان لهم دورهم لا على مستوى الأردن، فحسب لكن على مستوى المنطقة العربية والعالم الإسلامي كله. وكان منهم من قام بصياغة المناهج الدراسية لعدد من البلاد العربية، وبعضهم شارك في وضع قوانين الأحوال الشخصية في عدد من الدول العربية.

وهذا يعكس ما نفخر به في الأردن بوجود ثلة من علماء الشريعة الذين كان لهم بصماتهم في المجتمع المحلي والمجتمع العربي.

من واجب القائمين على المؤسسات الدينية المختلفة، والمعنيين بالشأن الديني في الأردن ان يقدروا هذه الكفاءات وأن يفتحوا لها الأبواب لتأخذ مكانها في الدعوة والتعليم والإرشاد والقيام بمسؤولية العلماء في المجتمع وان يشجعوها على ذلك وان لا يغلقوا الأبواب في وجهها، لأن التضييق على العلماء المؤهلين يعني فتح الأبواب أمام دعاة الفتنة وأمام أدعياء العلم الذين تستعر من ضلالاتهم المجتمعات.

وفي الختام اسال الله لوطننا الغالي ولسائر بلاد المسلمين الأمن والأمان والقوة والعزة والمنعة وهي مطالب عظيمة وغالية لا تتحقق الا من خلال التحصين الفكري والإيماني والأخلاقي الذي يقوم به الدعاة الى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

ابتهالات رمضانية

اللَّهُمَّ إنّا نعُوذُ بِكَ أنْ نضِلَّ أَوْ نُضَلَّ، أوْ نَزِلَّ،أَوْ نُزَلَّ، أَوْ نظْلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ علينا. اللَّهُمَّ إنا نعوذُ بِكَ منك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، أهلَ الثناء والمجد، اعفُ عنا واغفر لنا ذنوبنا واستر عنا عيوبنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا وعن أيماننا وشمائلنا إنك خير حافظا وأنت أرحم الراحمين.

رمضان في مرآة الزمان

الشهر المعظّم

رمضان شهر اللهِ المعظم، فيه أنزل القرآن العظيم، وهو يأتي على مرّ السنين فرضًا لازمًا على الأمة صيامه وعلى السعداء نافلة قيامه، وفيه كانت بداية النفحات والرحمات للأمم فمن تعرّض للنفحات الربانية فقد ارتقى سلّم السعداء.

ومع أن القرآن نزل في شهر رمضان إلا أنّ الصيام جاء فريضة صيامه متأخرة عن زمن النزول بقرابة أربعة عشر عاما، فكان مبتدأ الأمر بالصيام بداية الهجرة النبوية الشريفة بصيام يوم عاشوراء، ذلك أن أهل المدينة لم يكونوا قد عهدوا على أنفسهم الصوم، فكان عليهم ثقيلا، فناسب صيام النبي صلى الله عليه وسلم، يوم عاشوراء وقوله: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم» (صحيح مسلم:1130). وقد كان يوما معظما عند اليهود، وكانت قريش تصومه. وقد روى البخاري في كتابه التاريخ الكبير:"أن الأشعث بن قيس دخل على عبدالله بن مسعود يوم عاشوراء، وهو يَطعَم فقال: هلمّ فكلْ، فقال الأشعث: أمَا علمت أنّ اليومَ يوم عاشوراء؟ قال: بلى؛ ولكنّ عاشوراء صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه، فلما نزل رمضان: كان رمضان هو الفريضة، ولم يأمرنا به ولم ينهنا عنه.

وقد امتنّ الله على هذه الأمة يوما معظما بأن أعطاهم شهرًا معظم ومن تعظيمه أنه كان اختياره للتاريخ مرتين حينما اجتمعوا لتأريخ هذه الأمة، فعن ميمون بن مهران قال: ائتمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يكتبون التأريخ فقال بعضهم: نكتبه من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: منذ أوحي إليه. وقال بعضهم: من هجرته التي هجر فيها دار الشـرك إلى دار الإيمان. فأجمع رأيهم أن يكتبوه من هجرته. ثم هم أرادوا أن يبتدئوا بشهر رمضان ثم رأوا أن يجعلوه في المحرم.

وشهر رمضان المعظم في الزمان له خصيصة لدى الأمة، فهو درة الشهور وتاجها، وهو الذي يذكرنا بالتأريخ الهجريّ، بما نقوم به من تحري هلال رمضان، وما يذكرنا به من نافذة على التاريخ إذ نرى من خلاله إرث أجدانا على عتبات أمجادنا.

مبادرة افطار السائقين على الطرقات التي اطلقتها ادارة الدوريات الخارجية في منطقة العدسية

(تصوير - نادر داود)

فوائد فقهية للصائمين

تستمدّ الشريعةُ الإسلامية الأحكامَ الفقهية من الوحيين، فما من حكم شرعيّ ولا رخصة، إلا ونحن نجد نصا صريحا أو أن يقاسَ أمر جديد على نصّ قديم باجتهاد فقهاء الزمان ضمن ضوابط شرعية وأُصولية.

والمسلم الذي يبتغي وجه الله تعالى ويسعى لرضا ربه، ولا يتكبر على طاعة الله، ويتذكر أن الإنسان ضعيف وفقير إلى ربه، ذلك المسلم الذي يرى في الأحكام الشرعية قربى إلى الله فيتعجل بالعبادة ويبادر إليها، وكلما سمع حكما شرعيا امتثل به دون عناد ولا تكبر.

وما أودّ التنبيه إليه هنا، بأنّ التقدم الحضاريّ وما يطرأ فيه من مستجدات فإن لذلك كله أحكام شرعية واضحة، ومن ذلك ما يستجد في حياة الناس من أمور يكون لها أثر في حياة الصائمين، فننبه على بعضها:

أولا: التدخين: إذا تعرض المدخن إلى حالة إدمان أو حالة ضعف أمام شرب الدخان وأدى به ذلك إلى الإفطار في نهار رمضان، فهنا تزداد حرمة تعاطي التدخين لتصل إلى ما يستوجب التوبة.

ثانيا: قد يحرم المسلم الحسنات الكثيرة بانشغاله في عالم التقنيات ولو كان ذلك الانشغال بالحلال، فالمسألة الشرعية تنبه على أن فعل الفرائض أفضل من الواجبات والواجبات أفضل من السنن والسنن أفضل من المستحبات والمستحبات أفضل من المباح. فحريّ بالصائم أن يجني الحسنات في مواسم الطاعات.

ثالثا: الجلوس للدرس في المساجد لطلب العلم ولمعرفة الأحكام الشرعية، قد يكون في حقّ الكثيرين واجب لأن العبادة من غير علم يكون فيها خلل.

رابعا: الاهتمام بالسؤال الشرعيّ، فهو من الأمور الشرعية حيث يجب على المسلم أن يعرف الشخصَ الذي يمكنه الإجابة على سؤاله، ولا يجوز لأحد أن يفتي نفسه أو أن يؤخر السؤال بعد حين، كالذي يتذكر أن يسأل عن أمر حدث معه بعد انتهاء رمضان، كما أنّ السؤال الشرعي قد يكون مندوبا وقد يكون واجبا. وذلك حسب ما يترتب عليه. فلنتنبه!!.

قطار النفائس

لا ينفكّ العاقلُ أن يبحثَ عن تصويبات لكلّ أفعاله وأقواله، فهو يتعاهدها، بدءًا من الخطوات الأولى له في مدارج الحياة، إلى أن ترجع إليه تلك الأقوال والأفعال بنتائج يرتضيها أو غير ذلك، مما يجعل الإنسان الواعي يدرس العواقب قبل الغوص في أيّ ماء أو الخوض في أيّ أمر يبادره.

وإنّ أهمَّ ما يحتاجه المؤمن مراجعة أعماله، ليتعرف على حاله مع الرضا والقَبول، ومن هنا تأتينا نفائس النصائح لنسترشد بها في فهم النصوص، ومن ذلك ما قاله ابنُ الجوزيّ رحمه الله: أعظم المعاقبة أنْ لا يحسَّ المعاقَب بالعقوبة، وأشد من ذلك أن يقع السـرور بما هو عقوبة، كالفرح بالمال الحرام، والتمكن من الذنوب. ومن هذه حاله لا يفوز بطاعة.

فهذا التحذير موافق لما في سورة الأعراف، من قوله تعالى: «وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)». وحيث إنّ المؤمن لا تنفرج أساريره إلا على باب الجنة حين دخولها، فإنه يغتمّ والغموم أنواعها ثلاثة ذكرها العلماء: غمّ الطاعة أنْ لا تُقبل، وغمُّ المعصية أنْ لا تغفر، وثالثتها غمّ المعرفة أنْ تُسلب. ومن النفائس التي أوصى بها الصالحون، قولهم: إذا عصيت الله في موضع فلا تفارق الموضع حتى تعمل فيه طاعة. ومع أنّ مواطن المعصية قد لا تتناسب مع الطاعات، فتكون التوبة الصادقة أولى تلك الطاعات، ومن ذلك ردّ المظالم إلى أهلها في حينها فهي أوكد الطاعات، ولا يوفق إليها إلا كلّ موفق.

الحرية والمسؤولية

بقلم الطالب :عفيف القاسم

مَـا أَنْ يَلِجَ المرءُ عَالَـمَ القِرَاءَةِ أَو الكتابَةِ حَتَّـى يَجِدَ نَفْسَهُ مُحَـاطًا بِأَسوارٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الأَفكار الدّالّة عَلَـى الحُريَّةِ، الدّاعيةِ إليها، الحاثَّةِ عَلَـى التَّحرّرِ. فَبدءًا مِنْ قولِ جون وليامز: (ما فائدة الدنيا الواسعة إذا كان حذاؤك ضيّقًا) وليسَ انتهاءً بقول أحمد شوقي: وللحريَّةِ الحمراءِ بابٌ، بكلِّ يَدٍ مُضرَّجةٍ يُدقُّ، تنقلُنا رِحْلَةُ القراءةِ في الحريّةِ، أو عَنِ الحريّةِ إلى عالَمٍ واسِعٍ يختلطُ علينا فيِه المفهومُ أَحيانًا، حتِّى يَكادُ يُصبِحُ مفهومُ الحريّةِ إِشكاليًّا ليتم إما المغالاة بالمطالبة به فيصبح المفهوم سطحيا بلا عمق أو مضمون أو يتم تقييده لدرجة تفقد معه الحرية قيمة أحرفها وسمو غايتها. فما هي الحُريَّةُ المنشودةُ؟ وما هي قيودها، وما هي أشكالها؟

إنَّنا لَو نَظَرْنَا بعينٍ مُجرَّدَةٍ، محايِدَةٍ إِلـى ما حَولَنا مِنْ صِرَاعاتٍ، وخلافاتٍ؛ لوَجدنا أنَّ الصّراعَ مَنْشَؤه بادئ الأَمرِ اختلافٌ فِي تأويلِ المفاهيمِ. فبينَ كُلِّ نقيضينِ خَطٌّ رفيعُ يجبُ المحافَظةُ عليه حتَّـى لا تلتَبِسَ الأَمور بعضها ببعض. وليس مفهومُ الحريّةِ بناجٍ من هذا الاختلاف في التأويلِ. فلنحاولْ معًا أَنْ نُجَسِّدَ للحريّةِ مفهومًا لا يَقطعُ عُرى اتصالِها بأهدافها النّبيلة من نشرٍ للخيرِ، ودرءٍ للشرِّ، ورفعٍ للظلم. مفهومًا تبتعِدُ فيهِ عَنْ الفَوضـى المؤدية الى الفساد، مَفهومًا يساهم في رأب صدع الاختلاف، مفهوم يمثل أداة فعالة تنْدَفِعَ بِها الإنسانيّةُ خُطواتٍ إلــى الأَمام. الحريَّةُ المنشودةَ هِيَ الحريّة المُقيَّدَةُ بالمسؤوليّة المؤطَّرَةُ بأُطُرِها، أو هي الحريَّةُ المسؤولة التي يَتَحمَّلُ فيها الفَرْدُ وَاجِباتِهِ الأَخلاقيّةِ، والإنسانيّة تجاه نَفْسِهِ وتِجاه الآخرين. أو بمعنـى آخر هي الحريّة التي لا تنتهكُ حدودَ حريّةِ الآخرين، ولا تَتَعَدَّى عليها كما لا تسلبهم حقهم في الاختيار و الاختلاف. وهي الحريّةُ التي يتحمّل فيها الفردُ مسؤوليّاتِهِ تِجاه كُلِّ ما يَصدُرُ عَنْهِ بسببِ ممارسَتِهِ لحريّتِه، وإلّا فإِنَّها تُصبِحُ وقتذاكَ صورةً مِنْ صورِ الفَوضَـى التي تُفضـي أَخيرًا إلـى ضياعِ المقصودِ الراقي من الحريَّة.

والإنسانُ يُولَدُ بالأصل حُرًّا، وسنضيفُ إليها ومسؤولًا من خلال نعمة العقل التي وهبها الخالق له؛ كي تصبِحَ العبارةُ: يُولَدُ الإِنسانُ حرًّا ومسؤولًا، فلا يجوزُ لأيٍّ من كانَ سلبَهُ حريَّتَهِ، ولا انتزاع جزء منها مهما كان يَسيرًا، لأَنَّ الحُريَّةَ حَقٌّ يَكْتَسِبُهُ الإِنسانُ مُذْ مجيئِهِ إلـى الحياة. فهوَ حُرٌّ في مُعتقَدِهِ، في رأْيِهِ وكيفية التعبير عنه، في موقِفِهِ، حُرٌّ في اختيارِه، في سنِّ القوانينِ المُنظِّمَةِ لحياتِهِ، سواءً أكانَ فردًا أَو في جماعةٍ؛ لكنَّهُ في الوقتِ ذَاتِهِ مسؤولٌ ؛ لأنّ المسؤوليّةَ شَرطُ الحريّةِ وَوَجْهُ عُملَتِها الآخر، و لا يستحقها من ينكرها على الآخرين.

إِنَّ الشّعوبَ الحُرَّةَ هِي الشّعوبُ القادرة على النّقدِ، وبالتالي هي القادرة على التغيير، بِمَا تَمْلِكُ مِنْ مِسَاحَةٍ تُعبّرُ فيها عَنْ رَغَبَاتِها، وتقرِّرُ فيها مَصائِرَها، ليسَ اعتباطًا، وإنّما بحريّةٍ واعيةٍ، مُلتَزِمَةٍ، مسؤولةٍ. ما يعني أنّها في عَجَلَةِ التقدُّمِ تسيرُ نحوَ النموّ، والازدهارِ، تُقرِّرُ ما يلائِمُها، وتَذَرُ ما يُعيقُها؛ لأنّها مُتحرّرةٌ من الخَوفِ، والقيودِ اللذينِ هُما نقيضُ ما للحريّةِ من غايات. والشّعوبُ المغلوبةُ المضطهدةُ تَذْهَبُ أَحلامُها أَدراجَ الرّياحِ؛ لأَنّها ستفقدُ بفقدَانِها الحريَّةَ قُدرتَها على النّقد، والتغيير، ما يجعلها لقمةً سائغةً في أفواه أَعدائها، وفريسةً سهلةً بين مخالِبه، وأسوأ من فقدانِ الحريّةِ أَنْ يُملَـى عليكَ شكلُ الحريّةِ التي يجبُ أَنْ تُمارِسهَـا. وهذا ما ينطبِقُ تمامًا على الشّعوب التي جُرِّدَتْ مِن حَقِّها في الحريّة. وفي هذا الوقتِ الرّاهنِ إِنَّنا أَحوجُ ما نكونُ إِلـى الحريّةِ؛ فعلى الرّغم ممّا يشهدُهُ العالَمُ من تقدُّمٍ تقنيّ، وتكنولوجيّ إلّا أَنَّ عالَمَنَـا عَطِشٌ للحريّة، مُحتاجٍ لَهَـا؛ فما من يومٍ يمرُّ حتَّـى نرى انتهاكًا للحريِّة هُنا، أو هناك؛ حَتَّـى غَدَتِ الحُريَّةُ مَفْهُومًا أُسطوريًّا لا وجودَ لَهُ إلّا في أَقوال الفلاسِفَةِ، وأَشعار المُتقدّمين. وما التطرّفُ الذي نشهدُهُ اليَومَ في عالَمِنا إلّا ثَمَرَةٌ خبيثةٌ من ثمارِ غيابِ الحريّات، واغتيال الشّخصيات.

ويبقـى البابُ مفتوحًا أَمامَنا كي نُبلوِرَ صورةً ناصِعَةً للحريّةِ نُقاتِلُ لا نتقاتل من أَجلِها، تكونَ حريَّةً للجميعِ، ومسؤوليّةً ملقاة على عاتقهمِ من أَجلِ مستقبلٍ أَفضلَ، وحياةً فُضلـى وكما قال المنفلوطي (الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس)، وأضيف على ألا تجعل اشعتها تحرق من حولك.

مواقف ذات بهجة

بداهة أهل العلم

من المواقف التي تخلدها الذكريات، يقول أحدهم: كنت في الحج عام 1998، ووافق أنني كنت لا أمتلك ثمن (الهدي) لظرف طارئ ألمّ بي، فاحترت ما أصنع واستفتيتُ أحدَ أهل العلم ليرشدني إلى ما ينبغي القيام به، فعرف أنني لا أمتلك ما يكفيني من النقود، وأصرّ على إعطائي قيمةَ الهدي، وحاولت الاعتذار منه لكنه بالغ في إصراره. فقبلت منه وانفرجت أساريري حينما شعرت أنّ الدنيا بخير، اذ لا تربطني به قرابة إلا أنه معي في حملة الحج من الأردنّ، والذي زاد الموقف جمالا، أنّ ذلك الكريم يعرف أنّ معي في الحملة أخي الأكبر، فكان بمقدوره أن يقول في نفسه: (فلي طلب من أخيه وهو أولى أن يعطيه)، غير أنه وهبني المال. فما أبهجه من موقف زاد في نفسي محبة المعروف.