إعداد: نداء الشناق

«آخ على أكلة مسخن وزيت الزيتون يشرشر» عبارة رددها فلسطيني في بلاد الاغتراب تعبيرا عن حنينه للأكلات التراثية في أرضه المحتلة، فهذه الأكلة جزء أصيل من المطبخ الفلسطيني، وذات طقوس ارتبطت بذكريات أجيال عديدة مع الجدة والطابون ولمة العائلة والجيران، فالمسخن ليس مجرد طبق بل حكاية عشق أبدية ارتبطت بخيرات الأرض الفلسطينية.

وتؤكد العديد من المصادر أن «المسخن» أكلة ابتكرها أهل فلسطين، وتعتبر عنوانا للكرم والأصالة، وكانت البداية من طولكرم وجنين، وهي أكله شعبية تقليدية توارثها الأجيال لتصل لكل الدول العربية».

ويرجع أصول المسخن إلى الحياة الريفية في فلسطين المليئة بالخيرات الطبيعية وخصوصا زيت الزيتون والقمح «خبز الطابون» واللوز والصنوبر والسمّاق «البري» والتي كانت وما زالت من منتجات الحقول الريفية لغاية الآن.

ويرتبط «المسخّن الفلسطيني» عند الفلاحين بالفرح حيث يعتبر الطبق الرئيسي احتفالا بانتهاء موسم قطاف الزيتون، فكان جامعا للأقارب والأهالي بالإضافة إلى أنه يقدم في المناسبات السعيدة كالأعراس وغيرها .

ويتميّز «المسخن» بأنه يؤكل باليدين، وباحتوائه على العديد من المكوّنات كالدجاج المشوي المطبوخ مع البصل والسمّاق والفلفل والزعفران مع حبوب الصنوبر مقدمة على خبز الطابون تأتي بعدها البهارات وزيت الزيتون.

وتقول أروى الجلاد من مدينة طولكرم إن: «أكلة المسخن من ابتكارات الأجداد وهي من مكونات البيئة الفلاحية حيث يكثر زيت الزيتون والسماق البري والقمح وخبز الطابون وشجر الصنوبر في كل المناطق الريفية في فلسطين وهي جزء من تاريخنا وحضارتنا الفلسطينية».

وتسرد رسمية التلاوي: «ذكرياتها بتحضير جدتها طبق المسخن». وتقول :«الطابون ما يزال يفوح بعبق الذكريات التي ارتبط بها».

وتضيف: «ستي» بلهجتها الفلاحية الفلسطينية وثوبها المورد وشالها الطويل ذي اللون الأبيض وانحناء ظهرها الذي يعكس تعب السنين، والأطفال متحلقين من حولها تمد يدها التي تحكي تجاعيدها تاريخ فلسطين لإشعال الطابون تمهيدا لإعداد المسخن».

وتقول التلاوي : «لقد كانت جدتي ترق العجين وتقلّبه بين يديها ثم تضعه داخل الطابون وتخرجه خبزا شهيا طيبا، ونسميه خبز الطابون نسبه إلى فرن الطابون المنثور بداخله الحجارة الصغيرة حيث كانت مهمتنا جمع الحطب من الكروم المجاورة لبيت جدي».

وتضيف: «تأتي النساء قبل الشواء، أمي «الكنة» وعماتي وحتى جاراتنا للمساعدة في الذهاب إلى قن الدجاج لإختيار المناسب منها للمسخن ويقمن بالذبح والتنظيف بشكل يدوي ومن ثم يسلقنه وفي النهاية تقوم جدتي بشواء الدجاج في فرن الطابون، وفي هذا الوقت تقوم النساء بفرم البصل وطهيه بزيت الزيتون».

وتشير إلى أن :«زيت الزيتون، والسماق البلدي، والصنوبر، واللوز من أساسيات طبق المسخن وجميع المكونات من منتجات المنزل فالأسرة في حينه كانت تحقق الاكتفاء الذاتي، بتربية الدجاج وزراعة الزيتون والقمح والسماق البلدي».

كما سجل أربعون طباخا فلسطينيا في عام 2010 رقما قياسيا جديدا بتحضير أكبر صحن مسخن في قرية عارورة، ودخلوا كتاب جينس للأرقام القياسية، ووصل قطره إلى 4 أمتار، كما بلغ وزنه حوالي 1.35 طن.

وقد أستخدم في تحضير المسخن الفلسطيني حوالي 500 طير من الدجاج، و170 كيلوجرام من زيت الزيتون و500 كيلوجرام من البصل و70 كيلوجرام من الصنوبر و50 كيلوجرام من السماق وأضيف عليه 250 كيلوجرام من الطحين.

فوائد صحية

وللمسخّن الفلسطيني طعم مميز ونكهة خاصة، ويحتوي على العديد من السعرات الحرارية والعناصر والفيتامينات، والبروتين والكربوهيدرات بالإضافة إلى فوائد زيت الزيتون والتي تحمي العظام من الإصابة بالهشاشة لاحتوائه على الكالسيوم، ويقوّي الذاكرة ويقي من الإصابة بمرض الزهايمر.

وطبق المسخّن يعمل على حماية الجهاز الهضمي من الإصابة بالسرطان بمختلف أنواعه، كما يقلل الاضطرابات والمشاكل كعسرالهضم، ويحمي خلايا الدم من الأكسدة، لا سيّما الحمراء منها لاحتوائه على مادة البوليفينول، ويخفف بعض الالتهابات الجلدية كالإكزيما، كما يقلل احتمالية الإصابة بالاكتئاب النفسي لاحتوائه على نسبة من الدهون الاحادية.

«المسخّن» أكلة تتجاوز فكرة التغذية واحتياجات الجسم فهي بحد ذاتها تمثل حكاية التحدي والاصرار الفلسطيني من خلال الثلاثية «الطابون، والزيتون، والحجر»، فلطالما لجأ المحتل إلى اقتلاع أشجار الزيتون لبناء المستوطنات مكانها واندلعت مواجهات عديدة دفاعا عنه،حتى أن كثيرا من الفلسطينيين رفعوا شعار «إقلع شجرة بنزرع عشرة» وطبقوه على أرض الواقع.

وما يزال المسخّن من ضمن الأكلات الشعبية التقليدية التي ارتبطت جذورها منذ الأزل بفلسطين وحكايات الجدة المكافحة وأطفال حجارة عبروا عن صمودهم في ميادين الدفاع عن الأقصى وتمسكهم بتاريخهم وأرضهم.