لأن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أدلى بتصريحات غير حاسمة بالنسبة للحرب على إيران، من بينها قوله: «أنه من الجيد أن تربك السياسة الأميركية إيران»، فإن هذا يعني أن المواجهة بين الولايات المتحدة والدولة الإيرانية قد تقف عند مجرد هزّ القبضات في الهواء ولكن مع إلزام الإيرانيين ببعض «التنازلات» غير الأساسية وكما دأبت واشنطن على استخدامه مع دول كثيرة وكما جرى ويجري الآن في أميركا اللاتينية.

ولعلّ ما يعزز هذا الاعتقاد، رغم كل عمليات الاستنفار والتحشيد العسكري التي تشهدها العديد من دول هذه المنطقة، أنّ بعض وسائل الإعلام قد تناقلت في الأيام الأخيرة ثلاثة إحتمالات هي: أولاً ضربة عسكرية أميركية فاصلة وحاسمة وثانياً إذعاناً إيرانياً واستسلاماً لكل الشروط والإملاءات التي تريدها الولايات المتحدة، وثالثاً هدوءاً مؤقتاً وهدنة يتم الإتفاق على مدتها وإجراء مفاوضات لتحقيق إن ليس كل ما تطالب به واشنطن وتمارس ضغوطاً عسكرية وسياسية من أجل تحقيقه كله فبعضه، وهذا سيكون التركيز فيه على الأساسيات وعلى ما يتعلق بالملاحة الدولية في مضيق هرمز وباب المندب.

وأغلب الظن، لا بل المؤكد أن إيران المشهورة بمناوراتها وألاعيبها السياسية، وهذا معروف تاريخياً، إن هي تمكنّت من «تنفيس» هذه الاندفاعة الأميركية فإنها، وهي صاحبة «تقْية» ستدخل أميركا في «دهاليز» مظلمة سياسياً كثيرة وستبقى تناور وتداور إلى أن «يزهقْ» ترمب و«تزهقْ» إدارته وتعود الأمور إلى ما كانت عليه و«كأنك يا أبا زيد ما غزيت»!!.

مما يعني، إنْ حدث هذا فعلاً، أنَّ إيران ستدّعي بأنها هي المنتصرة وأنّ «جوقة السحيجة» ستبدأ عملها، وأنّ «المؤلّفة قلوبهم» سيظهرون مجدداً، وأنَّ التدخل الإيراني في العديد من دول هذه المنطقة سيزداد، وسيتخذ أبعاداً خطيرة، وهنا فإنّ الخوف كل الخوف من أن يتجسَّد هذا كله في حروب طائفية سيحتاج إخمادها إلى جهد سنوات طويلة، وقد تؤدي إلى أن تتحوّل كل هذه التمحورات المذهبية إلى «دويلات» ستبقى متصارعة ومتحاربة ولسنوات طويلة.

إنَّ المعروف إنَّ إيران قد خرجت من حرب الثمانية أعوام مع العراق راعفةً ونازفةً ومهشمةً لكنها ما لبثت بعد إسقاط الأميركيين لنظام صدام حسين أن إستعادت لياقتها وتحولت من حالة الإنكسار إلى حالة الإنتصار والهجوم، وهكذا إلى أن أصبحت متغلغلة حتى عسكرياًّ في العديد من الدول العربية، وعلى غرار ما هو عليه الوضع الآن.. وعندها وإذا تجسّد هذا التصور إلى حقيقة فعلية وإذا انكفأت الولايات المتحدة وأكتفت بما هو أقل من انتصار وبما هو أكثر من نصف هزيمة فإنَّ هذه المنطقة سوف تعاني ولسنوات طويلة.. ولذلك فإن اللحظات المقبلة ستكون حاسمة وستتوقف على نتائجها معطيات تاريخية متعدّدة وكثيرة!!.