..في الستينيات من القرن الماضي, تم تجنيد ضابط في الكلية العسكرية... الغريب أن هذا الضابط كان طوله (157) سم: أي أقل من الطول المطلوب... هو ذاته لم يتوقع أن تقبله اللجنة، ولم يتوقع أيضا أن يلبس يوما الزي العسكري.. ولم يتوقع... أن يكون له مكان في الجيش...

وقد درجت العادة في نهاية الستينيات, أن تعرض أسماء المقبولين كضباط, والمرفوضين أيضاً.. على المشير حابس المجالي القائد العام للقوات المسلحة, كي يصادق على قرار اللجان....

يقول هذا الضابط، خدمت في القوات المسلحة (37) عاماً, ولم أعرف..لماذا أنا بالتحديد تم استثنائي وقبولي كضابط في صفوفها, ولكني حين وصلت إلى رتبة عالية - والحديث للضابط اياه - قررت العودة إلى ملفي العسكري..الذي يحوي كامل تفاصيل حياتي العسكرية من اللحظة التي ابتدأت فيها مشواري في القوات المسلحة, كي أعرف ماذا حدث ليتم قبولي ويتم تجاوز مسألة الطول...

وحين عاد وجد قرار اللجنة يقول: (المذكور مرفوض بسبب طوله الذي غير المناسب)..وفي ذات الورقة التي توصي بعدم قبوله, وجد أيضا جملة بخط يد المشير حابس المجالي فوق قرار اللجنة تقول:- (صيت أبوه بطولو).. ومن ثم توقيعه, ووالد هذا الضابط كان شيخاً وزعيماً له حضور بين الأردنيين... بالطبع اللجنة حين قرأت جملة المشير حابس المجالي, أدركت معناها..وتم قبوله في الجيش... ففي النهاية قرار القائد العام, هو الأساس في القبول من عدمه.

أمس كنت حزيناً جداً, وحين سألني صاحبي قلت له: مؤخراً ذكر اسم حاكم الفايز في الإعلام كثيراً, وأنا من أوائل الناس الذين قابلوه.. حين عاد من سوريا مناضلاً قومياً حراً, عزيزاً عظيماً كريماً... وأجريت معه لقاء مطولاً في صحيفتي.. وقد تذكرت قصة الضابط الأردني الحر وجملة حابس المجالي: (صيت أبوه بطولو)... وفهمت معنى جملة (صيت حاكم الفايز) يجعلنا نحني رؤوسنا احتراماً وإجلالاً لهذا المناضل العظيم.. صيت حاكم الفايز وحده, يجعلنا نصمت لروحه ولحجم معاناته ونضاله... وأنا حين يذكر اسم هذا الشخص في الإعلام, أتذكر قصيدة تيسير السبول:- (بدويا خطت الصحراء لا جدوى خطاه)...

يا ترى هل يفهمون ما أقصد؟.. الحكومات في بلادي لن تعد تتعب «الجيب» فقط، بل صارت ترهق القلب أيضاً.

Abdelhadi18@yahoo.com