تاريخياً لم نكن نعطي علاقة مخرجات التعليم بسوق العمل كثيراً من الاهتمام.

فعلى نحو عام، كان المتعلّمون قلّة، وكانت فرص العمل في المملكة ودول الجوار متوافرة.

لا بل إن الفرص على المستويين الوطني والإقليمي كانت تفوق أعداد الخريجين، فشكّل ذلك حافزاً للتوسع في قبول الطلبة وفتح البرامج.

لم يشكل البعد الوظيفي للخريجين، إذاُ، تحدياً يذكر، فكنا نُدرِّس ونُخرِّج طلبة من أجل العلم وحاجات المجتمع.

وكان الأمر سمناً وعسلاً.

الصورة الآن معكوسة، فهنالك خريجون أكثر من الطاقة الاستيعابية لسوق العمل والمجتمع. وإقليمياً نجد خريجينا يتنافسون على الوظائف ليس فقط مع خريجي دول الجوار، بل مع خريجي الجامعات الدولية: من أوروبا وأميركا وشرق آسيا وشبه القارة الهندية وأفريقيا، وحتى أستراليا وأميركا الجنوبية.

المنافسة على الفرص إقليمياً، وقريباً ربما وطنياً، أضحت دولية.

وهذا أمر صعب.

ومما يزيد في الصعوبة والتنافسية أن السوق القائم على مبدأ العرض والطلب، صار يبحث عن خريجين يتمتعون بجودة عالية ويرفض العديد ممن كان يوظفهم سابقاً.

لذلك بدأنا منذ التسعينيات من القرن الماضي نأخذ موضوع العرض والطلب وربط التعليم بحاجات السوق وموضوع جودة المخرجات على محمل الجد.

وهذا تطور جيد.

لا بل إن أخذ حاجات السوق بعين الاعتبار والنظر في التخصصات «المشبعة» أمر أساسي.

إذا لم تتوافر الوظائف لخريجي بعض التخصصات، أو كانت أقل من الخريجين، فهنالك إشكال كبير، ومن هنا يتوجب علينا اتخاذ إجراءات تصحيحية واستشرافية حاسمة، لأن البطالة أصبحت تهدد أمن الوطن.

لكن!!!

لا بد لنا من التعامل مع الأمر بحذر ودقة، ومن هنا وضعتُ علامة استفهام في نهاية العنوان، فالقضية عميقة ومعقدة.

عدة عوامل لا بد من أخذها مجتمعة قبل اتخاذ أي قرار، منها:

اولاً، من يحدد الإشباع وما المقصود بالسوق وما هو المؤشر؟

لا شك بأن ديوان الخدمة المدنية قد يكون مؤشراً دقيقاً لـ«سوق» القطاع العام. لكن لا نظنه يفيد كثيراً بالنسبة لحاجات القطاع الخاص والإقليم. وجامعاتنا لا تطرح برامجها بهدف التوظيف في القطاع العام فقط، فالقطاع الخاص والإقليم أكبر بكثير.

ثانياً، حاجات السوق ذاتها متغيرة ومتذبذبة. لو سلّمنا باستطاعتنا الإحاطة بها كلّها، وهذا أمر مستحيل، فلا نستطيع أن نسلم بأنها ثابتة، فهي تتغير بين عشية وضحاها. لا بل هنالك حديث أن 65% من وظائف اليوم قد تختفي قريباً.

ثالثاً، العامل الحاسم في إيجاد وظيفة للخريج هو ليس تخصصه أو البرنامج الذي تخرّج منه، بل المهارات التي يمتلكها. باستثناء التخصصات الضيقة، السوق يبحث عمن يمتلكون مهارات الوظائف لا شهادات كراتين بمسميات محددة، ومن هنا فإن الأهم من وقف التخصصات المشبعة العناية بنتاجات التعلم بحيث يتم التركيز على المهارات المطلوبة في سوق العمل والتي هي معروفة وسهلة التحديد.

مهم جداً ربط المخرجات بحاجات السوق، لكن الأهم هو كيفية ربطها. وهنا بيت القصيد.