حتى ما قبل سنوات قليلة ماضية، كانت أطراف شوارع عمّان وأزقتها ومساحاتها الفارغة تمتلئ بموائد الرحمن، تلك التي ميّزت حياتنا الرمضانية، ورمزت إلى المشاركة، وعبّرت عن المسؤولية المجتمعية للشركات والأثرياء، ولكنّنا نجوب الشوارع الآن فلا نرى أيّ خيمة إلى جانب شارع، أو إشارة لوجود مثل هذه الموائد في أيّ مكان.

اختفت تقريباً من حياتنا، فجأة، هذه الظاهرة الجميلة النبيلة، والعادة الحميدة التي ظننا أنّها ستتوسّع حتى تُغطّي كلّ أنحاء البلاد، وهو أمر يثير الحزن والأسى، لا نعرف أسبابه الحقيقية، فهل تعود إلى تراجع المشاعر المتعلقة بعمل الخير في مجتمعنا، أم لضيق ذات اليد عند الشركات والمؤسسات الكبيرة والأثرياء، أم لأنّ تعليمات أمانة عمان الجديدة ضيّقت على فاعلي الخير لأسباب تنظيمية باشتراطها الحصول على موافقات بيروقراطية مسبقة؟!

المشهد الرمضاني العمّاني كان يشرح النفس، ويحظى بالإعجاب من الجميع، فتلك هي أخلاق الشهر الفضيل الحقيقية، التي لا تنتظر لا كلمة شكر، ولا كلمات عرفان، فشكّلت موائد الرحمن على مدار السنوات صورة زاهية، ولا ننسى أنّه كانت إلى جانبها الإعلانات التي تمتلئ بها الصحف الأردنية لشراء وجبات متكاملة من القادرين وتوزيعها على المعوزين، وغيرها من مبادرات الخير التي تتوسّع فتعكس حقيقة التكافل الإجتماعي في بلادنا، وتفسّر أنّه ليس لدينا من يجوع بعد صيام، مع أنّ نسبة الفقر عندنا تتزايد بإستمرار.

الخير فيّ وفي أمّتي إلى يوم الدين، وهذا ما ينبغي أن يتجسّد في رمضان، فلا تعرف فيه اليد اليسرى ماذا قدّمت اليمنى، ويبقى أنّنا نتمنى لو أنّ «الأيام» الباقية من هذا الشهر تشهد استعادة للمشهد الذي تنتشر فيه موائد الرحمن في كلّ الأنحاء، وللحديث بقية.

basem.sakijha@gmail.com