يحدثنا عالم التربية الراحل د.محمد جواد رضا وبكثير من المرارة عن قضايا تربوية في جوهرها خذلتها التربية العربية المعاصرة. من هذه القضايا ما أسماه هذا العالم بـ ِ«التربية المدنية في الوطن العربي». فهو يرى أننا «وخلال أكثر من خمسة وسبعين عاماً وعلى الرغم من كل التضحيات المالية والجهدية في المجال التربوي لم نفلح في تأسيس تربية مدنية في الوطن العربي».

«د. محمد جواد رضا (تحرير التربية العربية من الأوهام الخمسة)، ص 20، مملكة البحرين، مركز البحرين للدراسات والبحوث».

ما قاله هذا الباحث يتطلب منا وقفة تأمل في الواقع العربي لماذا هذا الإخفاق في تأسيس تربية مدنية في الوطن العربي؟ هل الظروف غير مواتية؟ هل هناك عقبات صنعناها بأيدينا لتحول بيننا وبين هذا الإنجاز الحضاري؟ يبدو ان الأمر كذلك، وقد كشف عنه هذا العالم المغترب حين قال: «كانت التربية العربية خلال هذه الحقبة الطويلة تربية معادية لروح العصر». ويفيض د. جواد رضا في الحديث عن هذا الخذلان للتربية المدنية، فيذكر من اسباب ذلك انشداد فكرنا الى الماضي «وجعله بديلاً من الحاضر». (المرجع السابق ص 20).

مدارسنا يقع عليها وزر هذا التقصير، وهي بالطبع مُسَيَّرة لا مُخيَّرة. يخرج طلابنا الى الحياة يجيدون «الكلام» ويبالغون فيه. أما اذا سبرت غورهم وجدتهم «انطوائيين» يتهيبون من «الاقتحام»!

لست ضد استلهام «الماضي» ولكنني ضد أن يغدو منافساً لـ ِ«الحاضر» يحاول الصاق التهم به ليظل حالنا العربي على ما هو من تخاذل وضعف. طلابنا يخرجون الى الحياة وهم لم يستعدوا كما يجب لخوض غمارها بتفاؤل واستيعاب لروح العصر. هم -مع الاسف- يلجون الحياة من «البوابة الغلط» -اذا صح التعبير- يريدون تكريس «الماضي» دون ملاحظة ان ((الحاضر)) قد بات مختلفاً عن «الماضي»- شئنا ام أبينا!

لست ادعو بالطبع الى التنكر لهذا الماضي ولكني ضد تكريسه على نحو عشوائي بحكم معاداتنا المسبقة لروح العصر. إن هذا التكريس الذي يؤمن به الكثيرون منا هو -كما أرى- الذي يحول دون تأسيس «التربية المدنية» التي نحن بحاجة اليها لنشر الوعي وتفتيح العقول حتى لا تظل منعزلة عما يجري في عالم اليوم من تطورات حضارية.

قضية اخرى مهمة يثيرها هذا العالم التربوي في كتابه تتعلق «بوجوب التحول من المقاربة التاريخية الفيلولوجية الى المقاربة الاشكالية او المشكلاتية Problematic. أي يريدنا ان نستبدل «مفهوم الهوية التاريخي بمفهوم وظيفي عن الذات ومخاطبة العالم به». (المرجع السابق ص 18).

ما معنى ما اشار اليه؟ معناه ألاّ نظل نعيش لحظة التاريخ الماضية في شبه انعزالية عما يجري من حولنا. معناه «ان نبني صورة ايجابية عن الذات». من خلالها نحسن مخاطبة العالم باللغة التي تظهر اننا على درجة عالية من الوعي. ندرك الاسباب الحقيقية لأزماتنا ومن هم المسؤولون عنها.

mahmodyousef214@gmail.com