لارا مصطفى صالح

كاتبة أردنية تعيش في دولة الإمارات


رواية «قسم البنفسج» زهرة جديدة لكنها مختلفة ولافتة ولا تشبهها رواية في حديقة الرواية العربية. زهرة تخطّت حدود الجمال المادي إلى جمال الروح بأبعادها وأسرارها اللامتناهية. زهرة حملت في قلبها تلافيف فكرة غير مألوفة، وشخصيات وأماكن وأزمنة وأحداثاً وصراعاً ولغة مدهشة وحبكات من نوع مختلف وجديد، ونهاية مفتوحة ومقفلة أبدعها الكاتب جمال القيسي بإحكام وذكاء، فكانت رمزاً للحياة بتجلياتها كافة.

قرأت الرواية جرعة واحدة أول مرة، وقرأتها بهدوء وتأمل في المرة الثانية، فأسرتني بحق! ألقيت بنفسي في أحضان «مريم» الأم، وبكيت كما لم أفعل في حياتي، وعرفت للمرة الأولى أن للحزن جمالاً خاصاً! وأن ثمة أشخاصاً قد تحبهم حقيقة دون أن تراهم أو يكونون على أرض الواقع.. أو لربما هم موجودون! وأحسست بنصر مبين وقوة هائلة من خلال ومعنى الـ (لا) مرتين في الرواية، الأولى كانت من «مريم» في وجه الجندي الإسرائيلي عام 1975، والثانية كانت من «فارس» بطل الرواية على مدار باقي سنوات عمره، ولاسيما في وجه الظلم والفساد الذي مثّله عمّه «سند» عندما خاض الأول الانتخابات ضده.

عشت لحظات الرعب في «عيون قارة» في فلسطين، وانتابتني موجة الغضب المزلزل في الجامعة الأردنية، وسمعت طَرْقات المساجين الخائفة على جدران المعتقل السياسي في لغة التخاطب بين زنازين الأقبية التي تعرفت عليها في «قسم البنفسج» فقط، فلم أسمع طوال سنوات قراءتي لمئات الروايات عن هذه اللغة إلا لدى جمال القيسي.

كما أعلن أني ارتبكت في لقاء عاطفي خاطف قصير لكنه شديد العمق بين «فارس» و«أمل» في الباص المتجه من عمّان نحو جامعة اليرموك، فقد اختار «فارس» أن يغير رغبته وتوجهاته في الدراسة ويكتفي من البحث عن الإجابات في الدِّين من كلية الشريعة كي يجد الإجابة في الحب. ورأيت مشاهد احتلال العراق للكويت كأنه يحدث للتو، وردود الأفعال، ولكن بقالب سردي متين لا بلغة السياسة ونشرات الأخبار. وانثالت صور نفسية كثيرة عن أحلام وأوهام الشعوب العربية والقائد الضرورة.

وفي فصل «التوهج والرحيل» أعترف أني لطمت وجهي بالتراب واحمرّت عيناي كما «فارس» عندما ماتت «مريم» وشعرت بالضياع. وأصغيت لحنينٍ خارج أسوار المستشفى، وتسرب إلى روحي شذى أنعشني كلما مر اسم «مريم» في الرواية المذهلة. ولدغتني عقارب ساعات الانتظار، وسرت في درب الآلام والمعاناة من الظلم كمن يسير إلى نكبة مصيره. وامتلكت في النهاية يقيناً بالحاضر والمستقبل.

عاش «فارس» الرواية بين شقَّي رحى، وثورة في الفكر والسياسة والدين والنظام الاجتماعي، وعانى من ظلم عمه الذي مثّل الفساد بأشكاله كافة، وتواطأ مع المناصب والكراسي عليه وعلى خيرات البلد. عوامل عدة تطرق لها الكاتب جمال القيسي في سرد مشوق أحاطت قدَرَه بالألم وشكّلت مذاق الحياة في قلبه كما قال في بداية الرواية: «اخبرني صوتٌ انفجر واضحاً في داخلـي قبـل مواعيـد الأشـياء: ستظل هذه اللحظات توجعك وتشكل مذاق الحياة في قلبك حتى أبد الدهر».

أما الأفكار الأكثر مدعاة للجدل النفسي في هذه الرواية الاجتماعية السياسية النفسية الذهنية، فأرى أن الفكرة الأولى منها جاءت من خلال تناول المؤلف لقضايا تشابك المفاهيم بين مفهوم القبيلة والمعتقدات الوطنية والأخلاقية، وقضية التعايش بين الأديان من خلال علاقة «فارس» بالطبيب «ميشيل». ففي الوقت الذي كان يتجه فيه «فارس» نحو التمزق ما بين أسوار المستشفى ورغبته بالحرية والخروج، علاوة على عجزه حيال تدهوره الجسماني والنفسي، كان «ميشيل» حاضراً كينبوع متدفق من الإنسانية فانتشله من أغوار اليأس والسجن والسواد.

أما الفكرة الثانية، فقد تجلّت في قصة «ميشيل» نفسها، وهي القصة العميقة اللازمة داخل الرواية، التي نطقت بلسان حال النفس الجريحة المسالمة ابتداء التي اختارت درباً لا مفر منه كي تنجو من وبال الانكسار. «ميشيل»، الطبيب المسيحي الصادق المتسامح الذي انتهى به الحال مجرماً مدّعياً إصابته بمرض نفسي، كي يبرر قتله لزوجته الخائنة. فكانت قصته مثالاً للتناقضات العميقة والعدالة المفقودة في هذا العالم.

لقد غاصت الرواية في خبايا النفس البشرية بخبرة تؤكد أن الروائي لم يدّخر جهداً في البحث المضْني والحثيث في علم الطب النفسي والتربوي، فالمعلومات التي تزخر بها الرواية واضحة وتجزم أنها لم تأتِ دون جهود بحثية مكثفة وهو ما يميز الرواية العالمية اليوم.

أما الفكرة الثالثة التي اشتغلت عليها الرواية، فهي روح «مريم» وعمق حضورها في وجدان ابنها «فارس».. فانتصرت روحها في قلبه على قِيَم بدائية كالثأر والانتقام وكلّ ما يجعل الذات الإنسانية متطرفة وأحاديّة، لتكون قضيته فكريةً صلبة لا تعترف بالهزيمة، وأخلاقيةً لا تقبل المساومة، فتسامى على نزعات الذات واحتراب الشخصنة في رؤاه للمستقبل الذي اختطّه لنفسه وقرر أن لا يحيد عنه.

«قسم البنفسج» علاقة ممتدة بلا انتهاء بين الخير والشر. أفراح وآلام ونكبات وحب نقي وآخر مشوَّه وسخرية دفينة وظاهرة ولكنها لاذعة توصل الفكرة بأقسى العبارات وأبلغ العبرات. لك أن تضحك وحتماً ستبكي في هذه الرواية.

أما لغة الرواية فقد علَتْ فوق الأسرار والدهشة فكانت في متناول الروح. وتراوحت واختلفت درجات الشحن العاطفي فيها بتبدُّل وتعدُّد مراكزها والأصوات فيها، وظهر الروائي ممتلكاً لناصية التدفق الروحاني العميق في اللغة، والتكثيف في حينه، والبذخ بدُرَره البلاغية حين يكون ذلك لازماً ومتطلباً فنياً وواجباً إبداعياً.

حين انتهيت من الرواية في المرة الثانية، سعدت بأني قرأت إنجازاً أدبياً عربياً ثرياً بموضوعه وأدواته وذكائه، وتيقنت أكثر أن الرواية عمل إبداعي مؤثر وموجع بحق. وبات أن أقول بكل ثقة إنه إذا كانت الرواية العربية ستُكتب على النحو الذي كتبها فيه جمال القيسي فهي بخير وستتقدم أكثر وتصل إلى مراتبها الشاهقة التي نأملها لها.