محمّد بوحوش

شاعر وقاص من تونس


«قبّعة غريغوري» كتاب يتضمن مجموعة من القصص القصيرة جدّاً للكاتب المغربيّ عبد اللّه المتّقي الذي يعدّ من أبرز كتّاب هذا الجنس الأدبيّ في الوطن العربيّ. وهي تضاف إلى أعماله الكاملة في هذا المجال والموسومة «لسان الأخرس» والتي تتضمّن ثلاث مجاميع من القصّ القصير جدّاً، هي «الكرسيّ الأزرق» و«مطعم هالة» و«قليل من الملائكة». أصدر المتقي بعدها مجموعة رابعة عنوانها «لسان الأخرس». أمّا أضمومة «قبّعة غريغوري» فقد صدرت في طبعة أولى أنيقة سنة 2018 عن دار بوهيما للنّشر والتّوزيع بالجزائر، في 88 صفحة. وقد تضمّنت تصديراً لفرانز كافاكا وآخر لأكرم قطريب، و74 قصّة قصيرة جدّا أغلبها من صفحة واحدة.

وللوهلة الأولى، يصطدم القارئ بخاصيّة ثابتة في المجموعة، هي التّقطيع أو التّشذير البصريّ للأقصوصات التي عُرضت في شكل مشاهد أو وحدات سرديّة نوويّة مستقلّة ومقطّعة بعلامات ترقيم أو بالأحرف الأبجديّة، أو بغيرها من العلامات. فهي أقصوصات تسعى في الغالب إلى رسم مشاهد صغيرة بلغة حسيّة سينمائيّة وبصريّة تتحرّك خلالها الشّخوص والأحداث بطريقة دالّة.

هذه المجموعة تغري الدّارس إن على صعيد الشّكل أو المضمون، لذلك اخترت مقاربتها من زاوية تعالقها وانفتاحها على الفنون البصريّة والأنواع الأدبيّة الأخرى. وذلك في مستويين: شكليّ بحت متصل بالتّوزيع البصريّ للنصّ، ودلاليّ في تعالقه ببقيّة الفنون والأنواع الأدبيّة.

قبل ذلك، لا بدّ من التطرّق إلى جانب منهجيّ يتعلّق بمفهومَي المشهد والمشهديّة. أمّا مفهوم القصّة القصيرة جدّا فسأتجاوزه دونما تفسير لكون القصّ القصير جدّاً قد تكرّس كنوع أدبيّ من خلال مئات المجاميع الصّادرة سواء في المغرب أو في المشرق، ومن خلال الدّراسات والكتب النّقديّة التي تناولته.

ولــمّا كان عنوان هذه المقالة هو المشهديّة، فالأجدر أن نتطرّق إلى تعريف هذا المصطلح ايتيمولوجيّاً ودلاليّاً.

ورد تعريف «المشهد» في معجم المعاني على النّحو التّالي: مشهد، جمع مشاهد، مِن شهد، بمعنى منظر من مناظر الطّبيعة أو حالة مّا، ومنه مشهد سينمائيّ، مشهد غنائيّ، مشهد من المسرحيّة، أي منظر واحد تستمرّ فيه الحركة والحوار من أوّله إلى آخره. وهو مصدر ميميّ من شهد، أو اسم مكان من شهد بمعنى منظر، مرئيّ، مكان المشاهدة، كما يعني أيضا الحضور.

فالتّفسير الدّلاليّ الحرفيّ للمشهد يحيل مباشرة على الرّؤية والعين تحديداً والحواسّ والعقل عامّة. غير أنّ ما يعنينا هنا هو المعنى الدّلاليّ للمشهد الفنيّ بوصفه محاكاة محرّفة أو معدّلة للمشهد الطّبيعيّ لما يحمله من إضافة جماليّة تجعله في مقام المشهد الفنيّ الذي يتضمّن الصّورة والحركة والحدث.

أمّا «المشهديّة» فهو مصطلح يختصّ بالمشاهد ذات العلاقة بالسّرد. بينما المشهد هو وحدات سرديّة متقطّعة في شكل صور تؤلّف معا قصّة.

التّوزيع الفضائيّ/ البصريّ

قد يتبادر للمتأمّل في هذه المجموعة السّؤال التّالي: لماذا عزف كاتبها عن السّرد الإنشائيّ التّتابعيّ واختار التّقطيع في شكل جمل تتجلّى كوحدات سرديّة منفصلة شكلاً ومتآلفة معنى؟ فهناك التّقطيع المشهديّ باستعمال علامات التّرقيم، والتّقطيع باستعمال حروف الأبجديّة، والتّقطيع باعتماد العناوين ذات العلاقة بتقسيم فضاء الرّواية، والتّقطيع باستعمال الجملة الاسميّة والفعليّة المتواترة والذي يعدّ من الظّواهر الأسلوبيّة اللّافتة للنّظر في أغلب القصص.

وهناك أيضاً التّقطيع باعتماد الفضاء وتنويعه، حيث تتنوّع الفضاءات كما يلي: داخل الشقّة، خارج الشقّة، في حانة ما، في حديقة عموميّة، على الكرسيّ، في المحطّة، في الحقيبة المقابلة، في المرسم، على كرسيّ كلاسيكيّ، بداخل اللّوحة. كما نلحظ التّقطيع باستعمال التّنويع الزّمني: السّابعة صباحاً، السّابعة ودقيقتان، السّابعة والرّبع، التّاسعة صباحاً، العاشرة صباحاً، بعد الظّهيرة، في اللّيل، بعد منتصف اللّيل.

ويلجأ الكاتب أيضاً للتّقطيع باعتماد طريقة التّأويل، على غرار: المعنى الأوّل، المعنى الثّاني، المعنى الثّالث، المعنى الرّابع، لنفترض أنّ، أو لنفترض، قصص: تعسّف، أحلام السّارد. كما يلجأ للتّقطيع باستعمال التّكرار للمفردة الواحدة أو الجملة والتّنويع عليهما: الرّجل الذي عبر الشّارع، الرّجل الذي يتأبّط جريدة، الرّجل الذي عبر الشّارع المفتوح، الرّجل الذي عاد إلى الحياة، قنديل أوّل، قنديل ثانٍ، قنديل ثالث، قصص: بالمقلوب، قناديل...

ويَظهر في نصوص المجموعة التّقطيع عبر توظيف مصطلحات التّشكيل: تكعيب أوّل، تكعيب ثاني: قصّة تشكيل. وكذلك التّقطيع البصري عبر استخدام علامات مخصوصة: كالنّقاط والأنجم المتتالية. والتّقطيع باستخدام ملامح الشّخصيّة أو المشهد: وجه أوّل، وجه ثانٍ، وجه ثالث. والتّقطيع عبر المزج بين المكان والزّمان: في غرفة ما، في الصّباح، بعد الظّهيرة، في السّاعة الأولى من الفجر، وما تبقّى من العمر: قصّة غريغوري.

وهناك قصص يكون فيها التّقطيع باستخدام الحوار والضّمائر، أو باستخدام طريقة المقابلة بين شخصين أو حالتين مختلفتين، أو عبر استخدام الفراغ، كما نجد في قصّة «عمارة غريبة» التي تحتوي على أربعة أسطر من الفراغ وتنتهي بـ: «أكمل الفراغ عزيزي القارئ».

يُستنتج من هذه الشّواهد الشّكليّة، توظيف الصّور السّرديّة ذات العلاقة المتينة بالسّيناريو السّينمائيّ بالخصوص عبر تحويل تلك المقاطع السّرديّة إلى صور بصريّة حركيّة أو لقطات سينمائيّة حيّة. بالإضافة إلى بناء السّرد على ظاهرة أسلوبيّة متكرّرة في أغلب القصص حيث استخدام مقاطع من الجمل الاسميّة والفعليّة أو ما يسمّى «المرّكبات الإسناديّة» بشكل متواتر وبطريقة التّقطيع.

تداخل الفنون والأجناس

يعتمد القاصّ عبد اللّه المتّقي في الغالب على الجملة المشهديّة القريبة من لغة السّيناريو في السّينما أو المسرح، إذ هي ترد في شكل لقطات بصريّة حركيّة مشخّصة، وهو ما نعثر عليه في عدد كبير من قصصه. كما نجد لديه الجملة الحواريّة ذات الخاصيّة المشهديّة التي تسير بالحدث إلى طور التّنامي والتوتّر والتأزّم من خلال حوار بين شخصين يطرحان حالتين مختلفتين أو متناقضتين.

مثلما نجد في متنه السّرديّ، الصّور البصريّة الحسيّة القريبة جدّاً من صور الفنون البصريّة كالسّينما والمسرح والفنّ التّشكيليّ، بينما تقلّ الصّور المجرّدة عدا ما يتعلّق منها ببعض الصّور الذّهنيّة. فالصّورة في سرده هي شقيقة للصّورة الشّعريّة.

وتُظهر القصص انفتاحاً على الأجناس الأدبيّة الأخرى، حيث التّعالق المتين بالشّعر على صعيد الصّور والاستعارات والمجاز، عبر استخدام القالب الشّعريّ واللّغة الموحية، والصّور الشّعريّة الانزياحيّة والإيقاع المتسارع. كما تُظهر انفتاحاً على اللّوحة، يتجلّى في صيغة صور تشكيليّة. وتستفيد أيضاً من السّيناريو المسرحيّ.

وتَبرز في قصص المتقي خصائص التّشذير. يقول النّاقد المغربيّ د.جميل حمداوي عن القصّ القصير جدّاً بالمغرب: «بيد أنّ هناك نوعاً آخر من الكتابة السّردية داخل نسق القصة القصيرة جدّاً وهي القصّة الشّذريّة. وتتّسم بالتّقطيع، والتّجزيء، والتّشذير، والتّفصيل، والترّكيز، والتّوليد، مع استعمال الفواصل والمقاطع والفقرات البصرية المبأّرة، والارتكان إلى الاختزال وتكثيف الوحدات القصصيّة بشكل من الأشكال».

بهذا المعنى، فإنّ قصص عبداللّه المتّقي في جانب كبير منها هي من الكتابة الشّذريّة، حيث يحصي القارئ على سبيل المثال 32 قصّة مرقّمة بالحروف من بين 74 قصّة. كما يتجلّى التّقطيع في أوجه أخرى عبر استعمال حروف الأبجديّة أو العلامات الأخرى.

وبصفة إجماليّة، يمكن القول إنّ أغلب قصص المتّقي مقطّعة إلى وحدات أو نواتات سرديّة منفصلة شكلاً ومتّصلة مضموناً عبر آليّة التّقطيع البصريّ في شكل مشاهد، ممّا يجعلها أقرب إلى الكتابة السّينيراستيّة التي ترِدُ في صيغة صور سرديّة قائمة على التوتّر والإيقاع والتّكثيف والدّيناميكيّة والتّرابط والامتداد والاندماج الجزئيّ أو الكليّ مع مكوّنات السّرد الأخرى من مشاهد وشخصيّات ووقائع.

هذه التّقنية ذات التّعالق الدراميّ بالمشاهد السّينمائيّة، ساعدت القاصّ على الانتقال بين النّقاط القصصيّة المختلفة، وتصعيد التوتّر وتسريع إيقاع القصّة، إضافة إلى الرّبط المعنويّ بين المشاهد المنفصلة والمستقلّة دون الحاجة إلى أدوات ربط من قبيل حروف العطف، بالحفاظ على تدفّق القصّة بصورة بصريّة والانتقال بالزّمان والمكان والإطار والحدث والشّخوص، أو بالانتقال من حوار إلى حوار آخر، أو أيضاً من حوار إلى صورة مشهديّة، ومن صورة مشهديّة إلى أخرى.