د. محمد عبدالقادر

لا ضير في أن أفتتح هذه القراءة النقدية لرواية «حتى مطلع الشغف» للكاتب والأكاديمي موسى برهومة بتساؤل يقول: «لماذا أدهشتني هذه الرواية؟»، وهو تساؤل جال بخاطري منذ قراءتي الأولى للرواية. ولعله، بصورة ما، يتقابل مع سؤال فني موضوعي يحمل الغرض نفسه: ما الجماليات التي ميّزت هذه الرواية لتحظى بقوة الإدهاش؟

ولعل المصدر الأول لهذا الإدهاش يتمثل في حقيقة بسيطة، وهي أن هذه الرواية هي العمل الروائي الأول لكاتبها، الذي عرفه الكثيرون كاتباً وصحفياً وباحثاً متفاعلاً مع قضايا عصره. كان يمكن لي ولغيري أن نتوقع منه كتاباً في الفلسفة أو السياسة أو فنون الإعلام، أما أن يخرج علينا برواية مثيرة للإعجاب، فهذا ما لم أتوقعه، وكان ذلك المصدر الأول لدهشتي. على أن التمعن في هذا العمل من حيث شكله وسرده ومضمونه يؤكد أننا أمام قارئ نهم ومتمرس للرواية ومدارس النقد الأدبي أيضاً.

إن روايةً بهذا المستوى من الإمتاع والإبداع لا يمكن أن تكون تعبيراً عن مجرد رغبة شخصية جامحة في اقتحام عالم فني لطالما كان جاذباً للكثير من المثقفين على اختلاف اهتماماتهم ومواهبهم. وأزعم أنني حينما علمتُ أن موسى كتب رواية، انتابتني مشاعر متراوحة بين الخوف والرجاء، إلّا أن الرواية لم تخذل منتظرها، بل إنها أثارت دهشته وإعجابه. وسوف أكتشف -من سياق الرواية- اهتمام الكاتب بالفن التشكيلي، وفنون السينما، وعلم النفس التحليلي، كما بدا أنه عاشق للّغة، متعمق في ظلالها ودلالاتها.

«حتى مطلع الشغف» الصادرة عن المركز الثقافي العربي (الدار البيضاء، 2017)، روايةُ «شخصية»، لا روايةُ «حدث»، وإن بدت كما لو كانت تسرد أحداثاً عديدة، إلا أن هذه الأحداث لا تقع في سياق الزمن الروائي المتعاقب، بل هي أحداث تستدعيها الذاكرة، ذاكرة الشخصية «الوحيدة» في الرواية، تلك الأربعينية التي تعيش ما يُعرف بـ «أزمة منتصف العمر»، وهي كاتبة وصحافية، وهي «الزوجة العزباء» المتزوجة من رجل «مصاب بالعمل المزمن» أنجبت منه ولدين. وليست ذاكرة السيدة هي مصدر السرد الوحيد، ذلك أن مصادر أخرى للسرد الروائي تتمثل في ذاكرات عشاقها: فادي، والنحات، وعاشق البحر، والصديقة الطبيبة وغيرهم، ما يشير إلى تعدد الأصوات الساردة والتي تتواتر في مواقف تضيء شخصية سيدة تطمح إلى كتابة رواية، بينما بدت الرواية هذه، هي الرواية التي تكتبها السيدة، يسندها في ذلك الراوي العليم بين الحين والآخر.

وإذ يمعن الكاتب في إيهامنا بأن الأحداث تجري في الرواية نفسها، نرى لزاماً أن نستعين بقوة الحذر والشك لندرك أن الفصل الأول من الرواية هو الذي حمل مشهد الحدث (خروجها من الفندق لتدخّن لفافة)، بينما اختتم الحدث في المشهد الأخير (الازدحام الشديد في الطريق المؤدي إلى المطار). وما بينهما، هو في الأغلب الأعم، حديث الذاكرات. هنا أودّ الإشارة إلى أن المشهد الأخير يحمل الرقم (24) في لمحة ذات مغزى تشي بأن الزمن الفعلي لأحداث الرواية لم يتجاوز ساعات يوم كامل محصورة ما بين دخول السيدة الفندق وخروجها منه في اليوم التالي متوجهة نحو المطار، بحثاً عن حبها الأول الذي يدين بعقيدة مختلفة عن عقيدتها.

لقد تلاعب موسى برهومة بالزمن تلاعُبَ روائي محترف وسارد متمرس يوهم قارئه بأنه يشيّد مبنى فنياً بأحداث وتطورات كثيرة، لكنه في حيلته الفنية يستخدم وسائل حشد الذاكرات بالخبرات الماضية، والحوار مع الذات ومع الطرف الآخر، علاوة على أسلوب الاعتراف المباشر والصريح. إنّ هذا الإيهام بالحركة من دون حراك فعلي هو مصدر من مصادر الإعجاب بالقيمة الروائية لهذا العمل الذي يمكن لي أن أصنّفه بالانتماء إلى السرد الروائي القصير (short fiction).

على أن الإنجاز الفني هذا لا يشكّل وحده مصدر التميز والإدهاش في هذه الرواية، إذ إن تجاوره مع المضمون الفلسفي-الاجتماعي الذي يسري في شرايين السرد يمنح الرواية سمة التكامل الإبداعي، فقد نجحت الرواية في تقديم صورة نفسية فكرية اجتماعية مركّبة لشخصية الزوجة التي تعاني من حالة «السأم الفتاك» بعد سنوات من زواج تقليدي يجعل كل طرف يعيش في جزيرة معزولة. ولعل هذا الواقع المقترن بنزعة تمردية تحررية لديها منذ ريعان الصبا -وإن خفتت في لحظة استسلام لأعراف اجتماعية تحدد معايير الزواج وشروطه- أشعل من جديد رغبتها في التمرد وفي خرق القواعد والضوابط، والقفز عمّا تواضعت عليه ثقافة اجتماعية وعقيدية سائدة. وعن طريق الاسترجاع وانفتاح الذاكرة نعرف آراء السيدة في مسائل حساسة مثل الحرية الشخصية، والتقاليد، والأديان، والحب، بينما هي تسعى إلى بلوغ معادلة واضحة المعالم في علاقات تلك الموضوعات بالعقل والجوهر الإنساني بعناصره كافة.

أما أبرز حيل الدهاء الروائي التي نسجها موسى برهومة في ثنايا الرواية، فتتمثل في ما يمكن وصفه باستراتيجية «القناع»، وأقصد هنا اختباء الكاتب نفسه وراء شخصية السيدة، ما يعني أن الروائي قد كتب نفسه مرتدياً «قناع» السيدة. وهو زعم يحتاج إلى قرائن من النص. إنّ المعطيات الأساس عن السيدة (كاتبة، صحفية، ذات ثقافة عميقة، وغير ذلك) إنما تتقاطع مع صورة الروائي ذاته، علاوة على أن قرائن «التخفي» يمكن التقاطها من الاعترافات الأولى للسيدة وهي تبوح لصديقتها: «أريد أن أجرب في فن لطالما شّكل تحدياً لي. لقد قرأت مئات الروايات من مختلف ثقافات العالم، وشاهدت مئات الأفلام المقتبسة عن روايات، وأشعر أن روحي مشبعة بالتفاصيل الغزيرة التي أريد أن أتخلص منها بكتابتها» (ص11).

ثم هناك اعتراف ثانٍ تضمّن سبب الإصرار على كتابة رواية تحديداً، وليس مسرحية أو مجموعة شعرية مثلاً: «فمنذ زمن بعيد وأنا أهجس بكتابة رواية.... لا لكي أصبح روائية تصنَّف ضمن الروائيات اللامعات في بلدها، ولكن ليقينٍ مستقر في داخلي بأن الرواية عالم فسيح للبوح ومعالجة آفات الزمان، وقهر الضجر، ومناكفة المستبدّين، وهجاء السلطات السياسية والاجتماعية، والتنفيس عن احتقانات العقل الباطن» (ص33).

أما ثالث الاعترافات، فإنه يشير إلى الحيلة الفنية التي كانت السيدة تعتزم اللجوء إليها ثم أحجمت عن ذلك، وهو ما يتضح في الاقتباس الآتي: «كنت مضيتُ إلى عزلة، ورحت أكتب مسودة الرواية الأولى التي عهدت إلى سردها على لسان رجل استجمعتُ قواه الروحية من نثار قراءات وتجارب شخصية» (ص35).

وأرى أن هذه الاعترافات الثلاثة من السيدة، والتي هي قرائن منتقاة من النص الروائي، إنما هي صدى لحالة كاتب الرواية هذه من حيث الرغبة الملحّة في ارتياد عالم أبحر فيه قارئاً ومشاهداً لكنه لم يكن قد ارتاده قاصّاً، وبات موقناً أن مخزونه المعرفي والمهاريّ قد نضج بما يكفي لخوض التجربة. أما اعترافات السيدة بأنها كتبت النسخة الأولى من الرواية على لسان رجل فتمثل مرآة عاكسة لحقيقة اختيار الكاتب لشخصية امرأة ليضع على لسانها الكثير من «وعيه» و«لا وعيه».

انطلاقاً من هذه الرؤية، أزعم أيضاً أن هذه الرواية تطرق موضوعاً يتناول كيفية «صنع الرواية»، أو ما يعرف نقدياً بـ «الميتا رواية» وكيف تولد، ودور الذاكرة في السرد وفي البناء الفني وغير ذلك.

على أن مصدراً مهماً للإمتاع والإدهاش في رواية «حتى مطلع الشغف» يتمثل في جمالية -أو جماليات- اللغة الروائية، إذ إن القارئ سرعان ما يجد نفسه أمام لغة مكثفة، ذات ظلال شعرية، مقتصدة في كلماتها، باذخة في إحالاتها وصورها الفنية. وأخال أن اللغة من المرتكزات الفنية الرئيسة في جماليات هذه الرواية، شكلاً ومضموناً. وحتى تلك المشاهد التي قد يرى فيها بعضهم خروجاً عن الأعراف السائدة، فقد صيغت بلغة أنيقة حملت من الإبداع أكثر مما حملت من إثارة للغرائز، وظلت بعيدة عن الوصف المبتذل الذي طالما استخدمه بعض الروائيين لغايات التسويق.