د. إيمان الزيات

كاتبة وأكاديمية مصرية


مع ظهور «الذات» المأزومة وإلحاحها لسرد قصتها، وحاجتها إلى لغة شديدة الدقة والرهافة والحساسية للتعبير عن مكنوناتها غير المتكيفة ولا المفهومة، وإلى تقنيات مكثفة يتم استجلابها واستعارتها من مجموعة من الأجناس الأدبية لاستجلاء تلك الأزمات، ظهرت مجموعة من الأشكال الإبداعية لتفعيل ذلك «الانفتاح الأجناسي» بين الفنون الأدبية، بيد أن أهم انفتاح في هذا الصدد هو انفتاح فنَّي النثر والشعر، وتوظيف الشاعرية السردية، أو ما يسمى عند «إيف تادييه» (Eve Tadié) بـ«المحكي الشاعري». ويعني هذا انسياق السرد وراء الشاعرية الإبداعية، وذلك بواسطة استخدام اللغة الموحية، والصور الشعرية الانزياحية.

وتميل الأجناس الأدبية الحديثة إلى الانفتاح على بعضها بعضاً، وإلى الترافد بالعناصر الأساسية المميزة لها، فيتزود بعضها من بعض وتتزحزح حدودها وتفقد بعض ملامحها الأصلية وتتحلى بملامح جديدة، في عملية تحول مستمر مع احتفاظها بثوابت لا تستطيع إن هي نزعتها أن تتسمى بالاسم الخاص بها.

وعلى هذا المنهج تتخذ الأديبة نجلاء خليل لنفسها بناءً خاصاً تتموضع فيه بتميز نصوص سردها الشاعري التي تصيغها بحس مرهف وإبداع ملموس سواء كان ذلك في تكوين الصورة أو في سيرورة الفكرة داخل النص.

إذ تبدأ الكاتبة عادة من بعد الإهداء بمقدمة تتصل اتصالاً وثيقاً بما يليها، ومن ثم تقسم عملها الإبداعي أو لنقل مشروعها الإبداعي إلى فصول تُتمها بخاتمة. ذلك النسق المنهجي يمنح أعمالها بصمة أسلوبية تُعرف بها وتتميز. ويتحقق حلمها الذي يتشابه مع حلم كل كاتب جادّ في أن يكون له أسلوب يميزه عن أقرانه.

وفي كتابها «ليتك تمطر» الصادر عن شعلة الإبداع للطباعة والنشر بالقاهرة، والمصنف بأنه «نصوص»، تعي نجلاء خليل أنها تحكي حكاية شعورية وتقصّ قصة انفعالية فصولها النصوص، لذا تبدأ بنص «من أين نبدأ الحكايات؟»، وتقول في نص آخر: «ولا تكترث بحكايات شهرزاد». كما تعي أن النصوص التي تكتبها ليست مخلصةً إلى جنس أدبي بعينه وأنها نتاج إبداع يحاول أن يكسر الحدود ويكره التقولب ضمن محددات ثابتة تسلبه حقه في البوح، ومن هنا جاءت ظاهرة التراسل أو الترافد بين جنسَي الشعر والنثر لديها، والذي أنتج نصوصاً حرة مفتوحة تتزحزح حدودها لتتداخل تقنياتها. وهي تشير إلى تلك المراوحة التي تمارسها بين النثر والشعر في أحد نصوصها فتقول:

«وأنا الناثرة

التي أنثر

نصوصي سطراً سطراً»

...

وأنا الشاعرة التي يتبعها

تحالُف البحر والقمر والليل».

وفي سبيل بحثها عن سبل البوح الحر، تتمظهر انعكاسات ذلك على اختياراتها للعوالم الخاصة التي تستجلب منها صورها والتي تتسم بالضرورة بتلك الرحابة والانفتاح، فلا يخلو نص من نصوصها من صور تخص البحر، والسماء، والنوارس، والضوء. وجميعها مفردات تضمن تحقق هدفها للبوح الحر.

تدور موضوعات النصوص في الغالب حول البعد والفقد، فلا تخلو قصيدة من الحنين الذي احتل العناوين والمتون وصنع الصور، لذلك نجد دوماً حائلاً بين الذات وبين الآخر الذي تخاطبه وتحتال على فيزياء الأشياء كي تصله بطاقة الحب السماوية.

أول هذه الأشياء الحاجبة له هي «الأبواب» التي مثلت بظهورها الملحّ والمتكرر دالّة يمكن تتبُّعها بوضوح. تقول نجلاء خليل:

«أبواب موصدة وأنا أشتاق الصرير

مسكين هذا الباب الذي بيني وبينك

يصرّ عينيه في انتظار المفاتيح

تنهمر على عروقه دموعي

...

الباب لا ينكر الحب

يمنح مشاعري حقّ التسلل».

وفي نص «البعد يزيد الاقتراب» تقول:

«هل يا ترى النبض بابٌ للدخول أم إن بابك موصد؟».

وفي نصها «محض اشتباه» تقول:

«وأنا التي أعتصم هنا

مجنونة على الأبواب.

....

اخرُج وأوصد الباب خلفك».

وهكذا سنجد أبواباً واقعية أو افتراضية تؤدي وظيفة العزل بمهارة.

تعبّر الكاتبة بالدالّ عن المدلول، وتجتزئ من البشر أعضاءً تحيلها لرموز كي تعبّر عن وظائفهم وأدوارهم في حياتها، كالحنان والحماية في قولها:

«أبحث عن كفّ أمي

وعن ظهر أبي».

وكذلك في:

«يوماً ما سيلقاك وجهي

بين سطور قصائدي».

وهي تخاطب الآخر بلغة الجسد كما تخاطبه بالكلمات، فتتنوع الحركة في النصوص بين «الركض» إقبالاً في الشوق وإدباراً في الحزن:

«فتركض مشاعري مهراً صغيراً لم يعْتَد الصهيل».

وكذلك:

«ليتك تمطر

وليتني أركض

تحت رذاذ المطر».

أو «الدوران» الذي يصدّر معاني عدّة أبرزها التبتل والتيه والانجذاب:

«في دائرة مداراتك

أدور وأدور وأدور منجذبة».

وكذلك:

«كفراشة في دورانها حولك

أذهلت النور».

وأيضاً:

«أدور حولك فاسْكُن في قصائدي المفتونة».

وتخاطب الكاتبة الآخرَ أيضاً بالموسيقى، وباللغة الصوفية، وتجرب لغة الطيور، ولغة الزهور. وتتعدد سبل التخاطب لتضعنا أمام تساؤلات من قبيل: مَن المخاطَب الذي تحاول الكاتبة أن تتواصل معه بالطرق شتى، وبكل وسيلة؟! هل هو مجرد ذات محبوبة أم إنه شيء آخر أكثر عمقاً؟! هل تخاطب الذات شخصاً أم قيمة؟ المحبوب أم الحب ذاته؟

كل تلك الفرضيات ربما تكون صحيحة ومتحققة، لكن المؤكد في كل الأحوال هي مكانة ذلك المخاطَب الرفيعة والمقدسة:

«صوفية العشق

ألبسْتُكَ تاج القداسة

أصوغك ترانيم نصوص

دافئة الأحرف

يقرؤها الحالمون».

ويتنوع التشكيل البصري في مجموعة «ليتك تمطر»، من نص لآخر، فنجد ما هو عمودي، أو في شكل مقاطع، ويغلب النثرُ الشعرَ في النصوص بشكله وتقنياته، ويتوتر السطر بفضل ذلك «التفاوت الموجي» الملحوظ، فيطول عند التعبير عن الوحدة والفقد، ويقصر عند اتخاذ إجراءات للوصل مع الحبيب، أي أن طول السطر يختلف تبعاً لتفاوت الموجة الشعورية المتدفقة عبره، فيصبح لكل سطرٍ (نبرةٌ/ نغمة) خاصة:

«تفاعل

انصهار

انشطار

(ن ج ل ااااااااااا) هذا اسمي

حروف منهمرة تشكل قصيدة ملتاعة».

وتمتلئ النصوص بالنقاط والفراغات وعلامات الاستفهام عندما تستعلي الذات الحائرة المتسائلة المفعمة بالجدل والصاخبة بالاحتجاجات، ويخفت الصخب بصِيَغ الترجي حين تستحلف الآخرَ قائلة:

«بالله عُد!».

وتتميز نصوص «ليتك تمطر» بشيوع «الزمن النفسي»، وهو ذلك الزمن الخاص المتصل بوعي الكاتبة ووجدانها وخبرتها الذاتية، ذلك الزمن الذي لا يخضع لقياس الساعة كالزمن الطبيعي ولا توجد فيه لحظة تُساوي الأخرى، فهناك اللحظة المشرقة، وهناك السنوات الرتيبة الخاوية التي تمر كأنها عدم. وبالتالي يمكن في لحظة واحدة آنية أن تمتلك الذات في المجموعة أزمنة متفرقة وأنوات عدة، فتتحرك الأنا فيها بحرية وفي اتجاهات متنوعة، فالزمن يسيل وتدور عجلته وفق الإيقاع الداخلي للذات:

«الزمن متكوم

خذ حفنة من سنيني».

وكذلك:

«وأنا أسلّم الصباح إلى الليل

وأسلّم الليل إلى الصباح»

وأحياناً يكون الزمن بمثابة «لص»:

«يشد الوقت عمري

فتسرع العقارب بالمواعيد».

ويبدو المكان في النصوص مكاناً أثيرياً، يكاد يكون لا وجود له في الواقع، يقبع في مخيلة الكاتبة ووجدانها فقط:

«أغفو في الجنون

أسافر فيك».

وتستجلب نجلاء خليل صورها من فضاءات عوالمها الخاصة، أو تلك العوالم البينية المتكومة في المساحة بين ما هو أثيري وما هو ملموس مجسَّد. وما إن تمسك بتلابيب الصورة حتى تفجّر منها مجموعة من الصور المتتالية والمتسلسلة، فنصوصها تتميز بنمط الصورة المتفجرة التي تسلمك إلى بعضها بعضاً صورة تلو أخرى.

ولا تكفّ نجلاء خليل عن صنع ممرات داخل عوالمها الخاصة كي تصل الذاتَ المنشطرة بشطرها الآخر الذي يكملها، والذي يشعرها بوجودها فيذكّرها بأصابعها كي تكتب: «أيها الذي يذكّرني بأصابعي كي أكتب»، والذي ترى ملامحها في عينيه «ملامحي في عينيك»، والذي هو بمثابة الشمس التي تذيب ثلوج حياتها «في جودك ينهار الثلج».. إنه المطر لصحراء حياتها منذ ارتماء اللحن الذي تمثله في الوتر كأنما كان اللحن في الأصل حرّاً، وهو الآن رهين ينتظر العازف الذي يعيد له حريته.